الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في وقت مبكر تماماً، سلّم كل مرشحي الرئاسة في الفلبين، ما عدا الرئيس الأسبق، جوزيف استرادا الذي فضل أن ينتظر حتى إعلان النتائج الرئاسية بصورة رسمية، بأن الرئاسة ذاهبة إلى السيناتور بينيغنو أكينو الثالث. وأما بالنسبة إلى الرئيس الجديد، فتبدأ الآن المرحلة الصعبة المتمثلة في إجراء الإصلاحات السياسية الضرورية. وفي أربع قضايا ذات علاقة بالسياسة الخارجية ينبغي للرئيس أن يتولى قيادة الأمة فيها:

العلاقات مع الصين

قد يكون على الرئيس الجديد أن يقوم بزيارة سريعة للصين، وذلك لكي يتمكن من تركيز تفكيره على هذه العلاقة بالغة الأهمية، وكذلك معرفة وجهة نظر القيادة الصينية وصانعي القرار في بكين، والتمكن من إلقاء نظرة ثاقبة على وقائع الحياة في الصين. ولعل بعض هذه الأمور التي لا بد من بحثها ذلك النزاع الصيني الفلبيني على بعض المناطق المطلة على بحر الصين الجنوبي، والطبيعة غير المستقرة للأنظمة البحرية في تلك المنطقة، وكذلك التنافس مع الصين على الأسواق، ومصادر الاستثمار، وأيضاً على الفرص التي تمثلها الصين سريعة النمو أمام الفلبين، بالإضافة إلى العلاقات بين الشركات الصينية والفلبينيين المتنفذين.

تمثل الصين في نظر الفلبين فرصةً، وتحدياً في الوقت ذاته، من حيث إنها قوة متصاعدة لدى الفلبين صراعات معها حول ملكية بعض المناطق، بالإضافة إلى أنها سوق محتملة على نطاق واسع للمنتجات الفلبينية، ويمكن لهذه السوق أن تكون بمثابة محرّك لإطلاق حركة النمو في هذه المنطقة من العالم التي تعتبر الفلبين جزءا مهماً منها.

على أية حال، فإن الصين قوة رئيسية تلوح في أفق منطقة شرق آسيا في الوقت الذي تعاني فيه بكين من عدد من القيود ذات المنشأ المحلي. وبالتالي، فإن على الفلبين أن تتعامل في علاقتها مع الصين بكل جد، وبكل انتباه ورقي، بحيث يظل في اعتبارها على الدوام وجود مثل هذه التوترات، والتناقضات القائمة بين طرفي هذه المعادلة.

التنافسية

ظلت الفلبين خلال السنوات الماضية تخسر الكثير من تنافسيتها على الصعيدين العالمي، والإقليمي، وذلك فيما يتعلق بالأسواق، ومصادر الاستثمارات. ومن الصعب تبيان وفهم أسباب مثل هذا التراجع، حيث هنالك سياسات اقتصادية غير متسقة، وقرارات بعيدة عن اليقين، وتنظيمات تحد من النشاطات العملية والاستثمارات، بالإضافة إلى بنية تحتية غير ملائمة.

هنالك بالإضافة إلى ذلك ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية، وهنالك إحساس بعدم الأمان على النطاق الفردي. وعلى الرئيس الجديد أن يعالج كل هذه الأمور، سواء ما كان منها فعلياً أم لا، وسواء كان فيها أساس من الحقيقة أم لا، وسواء هي موجودة على أرض الواقع أم أن بعضها يجري تضخيمه من قبل بعض وسائل الإعلام.

إن بلدان العالم الأخرى لا تستمر في وضع ساكن، ودون حراك، حيث نجد، على سبيل المثال، أن إندونيسيا تتفوق تماماً على الفلبين من حيث سرعة التطور الاقتصادي، وبذل ما يكفي من الجهد للحصول على الاستثمارات الجديدة، واجتذاب أعداد أكبر من المستثمرين. ونجد كذلك أن فيتنام تفوقت على الفلبين في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بتوسيع نشاطات القطاع السياحي. هذا إذا لم نذكر في هذا المقام ما حققته دول جارة للفلبين من مستويات التقدم وذلك بالنسبة إلى ماليزيا، وسنغافورة، وتايلاند، والصين.

المغتربون الفلبينيون في الخارج

ظل الفلبينيون من مختلف القدرات، والمهارات، يغادرون البلاد بأعداد كبيرة من أجل فرص العمل الأفضل في البلدان الأخرى. وقد أدى هذا الوضع بأحد الوزراء السابقين إلى القول إن القوى العاملة من أصول فلبينية، والرساميل الخارجية، تعمل معاً على بناء اقتصادات البلدان الأخرى. وهو يرى أن من الأفضل أن تستقر العمالة الفلبينية الماهرة في الداخل، وأن تتحد مع الاستثمارات، سواء كانت من موارد محلية، أم من مصادر خارجية، من أجل هدف يتمثل في بناء البلاد.

من أجل ذلك لا بد من المزج بين مهارة القوى العاملة الفلبينية ورأس المال الخارجي، حيث إن من شأن ذلك العمل على نهضة شاملة على صعيد البلاد ككل من خلال توليد المزيد من فرص العمل، وتوسيع حجم السوق المحلية، وتقديم الخدمات العامة الجيدة التي يتمكن أغلبية الناس من تحمل تكاليفها، وتطوير الخدمات التعليمية، وفرض سيادة القانون، وضمان تحقيق الدرجة المطلوبة من الأمان الشخصي، والحد من حالات الفساد، والتوصل إلى الحكم الرشيد، وتطبيق العدالة على نحو يعمل على تحقيق المساواة بين الناس.

من الطبيعي أن كل هذه الأمور مترابطة بصورة وثيقة، ولا بد من أن تتم معالجتها معاً، وبصورة فورية، وبروح من الاستمرارية. ويتطلع الفلبينيون في الداخل والخارج إلى تنفيذ كل هذه الأمور، وذلك بشغف شديد في سبيل تحسين مستوى الإنتاج، والحياة للجميع. ويريدون أن يشعر الناس بذلك، بصورة جماعية، وكذلك على المستوى الشخصي. وهم يرون أن لديهم الحق في التمتع بالمستوى المنشود من الحياة كما هو حق لدى شعوب العالم الأخرى.

ومن الأمور بالغة الخطورة على أي بلد كان، أن يكون اقتصاده شديد الاعتماد على التحويلات المالية التي يبعث بها أبناؤه ممن يعملون في الخارج، كما هي الفلبين في الوقت الراهن، ومنذ سنوات طويلة كذلك. وتعمل هذه الظاهرة على تفتيت الأسر، كما أنها تساعد على تفريغ الطبقة الوسطى، وتحرم البلاد كذلك من أفضل مهارات الطبقة العاملة لديها.

تحسين التعليم

يرتبط هذا الأمر الحيوي بقوة مع مساعي تحسين التنافسية الخارجية لهذا البلد، وبالذات في المستقبل، حيث إن التعليم وتحسينه أمر حاسم في هذا المجال. وتظهر عدة مسائل هنا، ولكن تبرز على رأسها القضية المتعلقة باللغة. وهنالك حيرة على مستوى الأوساط التعليمية بخصوص ما إذا كان على هذا البلد أن يجعل اللغة المحلية هي اللغة الأساسية لمواطنيه، أم يزيد من رعاية تعليم اللغة الإنجليزية، وتحسين مستواها. والمسألة لا تتعلق بأي خلاف حول تعليم اللغة الإنجليزية التي يعترف الجميع بضرورتها الحيوية، ولكن الخلاف ينصب على مسألة تعليم الأطفال اللغة المناسبة التي تضمن لهم شق حياتهم في المستقبل. وتبرز في هذا المجال كذلك وجهات نظر متعددة حول مدى تعليم اللغة الإنجليزية لسكان البلاد، وكيفية إنجاز ذلك الأمر بأكفأ الوسائل، وكذلك ما إذا كان ينبغي أن تكون هي اللغة الأولى، أم الثانية على نطاق البلاد ككل.

هنالك، بالإضافة إلى كل ذلك، حاجة إلى تعليم الأطفال كيف يزيدون من حبهم لوطنهم، وكذلك زيادة قدراتهم على التميز بين الغث والسمين. وعلى المدارس، وأسر الأطفال كذلك، أن تعلّم الأطفال تبني الأمور الصحيحة لذاتها، وأن يحرصوا، بالإضافة إلى هذا الأمر المهم في التربية، على احترام المجتمع، والبلد ككل، وكذلك أن يرفضوا الأمور غير السوية، على اعتبارها من الأشياء الضارة، وكذلك ضرورة النظر إليها كعامل يبعث على الخجل على الصعيدين، الشخصي، وفي إطار المجتمع ككل. وعلى الجهات المسؤولة عن التعليم والتدريب كذلك أن تزيد من الاهتمام بتعليم العلوم والتكنولوجيا، حيث يستحيل تحقيق أي شكل من أشكال التقدم دون زيادة الاهتمام بمثل هذا التعليم، والتدريب.إن كل هذه الأمور التي تناولنا بعض تفاصيلها في هذه المقال يمكن أن تعتبر أجندة العمل المطروحة أمام الرئيس الفلبيني الجديد. وعليه العمل على كل ذلك إذا كانت الفلبين ستستعيد مكانتها في هذه المنطقة من العالم، وكذلك على النطاق العالمي في ظل قيادتها السياسية الجديدة.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: OpinonAsia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية