قصة التأمين الصحي في الولايات المتحدة تماماً كقصة الصراع العربي ــ الإسرائيلي طويل الأمد الذي دخل عقده السابع الآن، فنظام التأمين الصحي ما زال يثير نقاشاً ومعارضة في الولايات المتحدة، منذ نحو قرنٍ من الزمان.
هل تعطينا الطريقة التي أنجز بها أوباما إصلاح برنامج الرعاية الصحية أملاً في أنه ربما ينحو المسار ذاته في إنجازٍ ما على الجبهة الفلسطينية ــ الإسرائيلية؟ فنظام التأمين الصحي للجميع يعد معركة أوباما الأولى داخلياً، وبالرغم من المصاعب الكبيرة التي اعترضته ليس فقط من لوبي شركات التأمين والأدوية، وليس فقط من الحزب الجمهوري الذي وقف بشراسة ضد تمرير المشروع في مجلسي الكونجرس، وإنما من قبل بعض أعضاء حزبه الديمقراطي أيضاً.
إن قصة التأمين الصحي في الولايات المتحدة تماماً كقصة الصراع العربي ــ الإسرائيلي طويل الأمد الذي دخل عقده السابع الآن، فنظام التأمين الصحي ما زال يثير نقاشاً ومعارضة في الولايات المتحدة، منذ نحو قرنٍ من الزمان، حيث فشل عدد كبير من الرؤساء في تسوية هذا الملف الذي طالما عارضه الأطباء وشركات التأمين.
فالرئيس الأسبق تيودور روزفلت في عام 1912 جعل محور حملته تبني تأمين صحي مستوحى من إصلاحات أطلقها في ألمانيا قبل أربعين عاما بيسمارك، لكنه هزم في الانتخابات أمام خصمه ووردرو ويلسون، ثم ابن شقيقه فرانكلين روزفلت في الثلاثينيات من القرن الماضي، الذي أطلق «العقد الجديد» الهادف إلى إخراج البلاد من أزمة 1929، ففكر في نظام للتأمين الصحي، لكن الهيئة الطبية في ذلك الوقت دانت الخطة التي لم تبلغ مرحلة مشروع القانون.
ثم حاول الرئيس هاري ترومان فرض نظام إجباري للتأمين لكن المشروع فشل في الكونجرس.
وعندما اقترح الرئيس جون كينيدي تأمينا صحيا للمسنين فشل المشروع أيضا في الكونجرس.
#2#
بيد أن الرئيس ليندون جونسون نجح في إقرار برنامجين للمساعدة هما «ميديك ــ إيد» للفقراء و»ميديك كير» للمعوقين الذين تجاوزوا الخامسة والستين من العمر واليوم يستفيد نحو مئة مليون شخص من البرنامجين.
أما الرئيس جيمي كارتر فقد قام بحملة من أجل تأمين صحي شامل، لكن المشروع تأجل في عهده ولم يعد يطرح حتى وصول الرئيس كلينتون إلى سدة الرئاسة في عام 1992، حيث قدم مشروعا للتأمين الصحي الشامل دافعت عنه زوجته هيلاري كلينتون في الكونجرس آنذاك، لكنه مني بالفشل مع المعارضة الجمهورية الشرسة له في مجلسي النواب.
إن نحو 47 مليون مواطن أمريكي لا يتمتعون بتأمين صحي، وهو ما يحاول القانون الذي أقره مجلس النواب أخيراً معالجته عبر تأمين تغطية لـ 32 مليونا منهم على الأقل.
ويقول مكتب الإحصاء الأمريكي إن نسبة الأشخاص الذين لا يملكون تأمينا صحيا كانت 15.4في المائة في 2008، أي نحو 46.3 مليون شخص.
وبين هؤلاء نحو عشرة ملايين أجنبي يقيمون في الولايات المتحدة .في المقابل يملك ملايين الأمريكيين تأمينا صحيا لا يشمل كل النفقات خاصة، أولئك الذين يعانون من أمراض سابقة قبل شرائهم التأمين.
والآن يجيء إصلاح النظام الصحي على يد الرئيس باراك أوباما بعد قرن من الزمان، إذ يطمح إلى تغطية 95% من الأمريكيين تقل أعمارهم عن 65 عاما.
ولا تبدو قصة الصراع العربي ــ الإسرائيلي بعيدة عن ذلك، فمنذ بداية الصراع ونشوء إسرائيل ثم احتلالها أجزاء من الأراضي العربية في حرب عام 1976 وبعدها بدأت المبادرات الأمريكية تتوالى لحل الصراع ثم تفشل تباعا،ً بدءًا بالرئيس كارتر ووزير الخارجية هنري كيسنجر ثم مبادرة الرئيس ريغان في عام 1992 والجهود الجبارة التي بذلها جورج بوش الأب لعقد مؤتمر مدريد للسلام وما تبعها من مفاوضات، بعد ذلك أتت جهود كلينتون التي كانت استثنائية لجهة تفرغ الرئيس الأمريكي في سنواته الأخيرة تماماً لهذا الموضوع، لكنه فشل في تحقيق إنجاز ما، واندلع الصراع مجدداً مع بداية الانتفاضة وعدنا إلى نقطة الصفر مع رفض إسرائيل الانسحاب من الأراضي العربية واستمرارها في سياسة قضم الأراضي الفلسطينية عبر المستوطنات.
ثم أتى إعلان الرئيس بوش الابن ضرورة قيام دولة فلسطينية، لكنه تجاهل الموضوع في سنواته الأولى حتى عقد مؤتمر أنابوليس وتشيكل الرباعية الدولية، لكن فشلت هذه الجهود أيضاً.
فهل يحمل أوباما معه أملاً في حل هذا الصراع الذي استنزف كثيرا من الجهود ممن سبقوه وفشلوا في تحقيق إنجاز حقيقي على هذا الصعيد؟ فهل ينجح هو بالطريقة ذاتها وبالتصميم ذاته الذي أعلنه من أجل إنجاز التأمين الصحي؟ عندها سيكون أوباما روزفلت الجديد ذا الإنجازات الداخلية والخارجية، الذي يعد من أعظم الرؤساء الأمريكيين في التاريخ المعاصر للولايات المتحدة.
