الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

قراءة الاتجاهات المستقبلية للسياسة الأمريكية، عمل شائك ومتشعب، وليس بالإمكان تغطيتها في حديث قصير، خاصة أن سياقات هذه السياسة وتعابيرها، ستكون في الغالب استجابة موضوعية، لمجموعة من التحديات.

فالسياسات الجديدة، ستكون بالتأكيد خاضعة لقانون التحدي والاستجابة، إذا جاز لنا أن نستعير منطق أرنولد توينبي.

إنها تأتي بعد فشل ذريع لنهج المحافظين الجديد في صياغة خريطة العالم، وفق رؤية جديدة، تؤمن استمرارية القرن الواحد والعشرين، قرنا أمريكيا، من خلال توسع الأذرعة العسكرية والسياسية لتغطي الكرة الأرضية بأسرها.

ولأن الموضوع الذي نتناول قراءته شائك ومركب ومعقد، ويأتي ضمن أزمات كبرى واجهتها السياسة الأمريكية، وتتخلله عناصر كثيرة، لا يمكن الإفلات من تناولها بالتفكيك والتحليل، وذلك أمر أكبر من طاقة هذه القراءة، فإن جل ما نطمح إليه في هذه العجالة، أن نضع قاعدة الانطلاق لهذه القراءة، من خلال رسم الملامح العامة لهذه السياسة، ولندع التفاصيل لأحاديث قادمة، نتناولها في شكل محاور. كل محور في حديث مستقل.

وربما يشكل وعي أسباب الأزمة/الأزمات التي واجهتها الإدارات الأمريكية المختلفة خلال العقدين المنصرمين، البداية الصحية في هذه القراءة. ولا جدال أن لكل أزمة عالمية كبرى اقتصادية كانت أم سياسية بصمتها الخاصة، وتداعياتها الخاصة أيضا.

وفي الأزمات الكبرى، يستطيع البشر في النهاية تجاوز العثرات التي مروا بها، لكن الأمور لا تعود أبدا لسابق عهدها. فسرعان ما تسقط الأوهام، ويتضح أن ليس هناك نهاية للتاريخ، كونه حركة فوارة ومستمرة. والنظام الدولي، بأشكاله المختلفة، كان في الغالب ولا يزال، من إفرازات حالة التداعي التي يمر بها العالم عند كل منعطف تاريخي، وكل أزمة كبرى.

تشكل نظام عالمي بعد الحرب العالمية الأولى عبر عن نفسه بولادة عصبة الأمم، وتشكل نظام عالمي آخر، مستند إلى الثنائية القطبية، بعد الحرب العالمية الثانية. واستمر هذا النظام قائما حتى سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية. ومرت حقبة سادت فيها الأحادية القطبية، واتسمت باستخدام مفرط للقوة، وبنزوع غير مسبوق للهيمنة على مصير البشرية.

موسم الفرح الأمريكي بنهاية الحرب الباردة أطاح بقواعد الاحتكام إلى القانون الدولي، واختطف مواثيق عالمية، ومن ضمنها مبادئ الأمم المتحدة.

وخاض حروبا عديدة شملت بقاع كثيرة من الكرة الأرضية.

سرعة الحركة ارتبطت بإنفاق جنوني على آلة الحرب، وبتزايد الاستهلاك وتصاعد الديون الأمريكية بأرقام فلكية.

وكانت الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي شهدها العالم منذ عام 2008، ولا يزال يعاني من تبعاتها، بعضا من تداعيات الأزمة التي شهدتها اقتصادات الولايات المتحدة الأمريكية.

ولأن الأزمة بشكلها وطبيعتها غير مسبوقة في الاقتصاد العالمي منذ الانهيار الكبير عام 1928م، فإن إسقاطاتها السياسية والاقتصادية هي الأخرى لن تكون مسبوقة أيضا.

وكما أدت نتائج الكساد الكبير إلى إشعال الحرب العالمية الثانية، وانتقال في موازين القوة، نتج عنه قيام نظام دولي جديد، فإن هذه الأزمة مرشحة هي الأخرى لتداعيات حادة، ليس في الحسبان أن يكون بينها قيام حرب عالمية، لأنها أصبحت بحكم المستحيل، كون اندلاعها يعني فناء محتما للبشرية بأسرها.

إن ملامح السياسة الأمريكية على هذا الأساس، ستكون مرتبطة بصورة العالم في السنوات القليلة المقبلة، وموازين القوة فيه، والقوى المرشحة للعب دور رئيسي في قيادة اقتصاداته.

إن سلامة وضوح هذه الصورة، ووعي توازنات القوة في هذا الكون هي التي سيترتب عليها صياغة برامج العلاقات والتحالفات الاستراتيجية، بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، وهي التي ستمكن من تحديد صناع القرار الأممي في المستقبل المنظور.

في هذا السياق، فإن أول ما يلفت النظر أن اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية لن يعود إلى سابق عهده، كقائد لاقتصادات العالم.

فالولايات المتحدة أصبحت أكبر دولة مدينة في العالم. إضافة إلى أن الأمريكيين في العقود الثلاثة الأخيرة أصبحوا ينفقون، لتلبية احتياجاتهم اليومية، أكثر مما ينتجون.

وخلال هذه العقود كانوا يعوضون العجز بالاقتراض.

وقد تجاوزت الديون عشرات التريليونات. وما دام هناك مدينون، فهناك دائنون. والقانون الطبيعي يشير إلى أن القوة هي في الغالب للدائن وليس للمدين.

بمعنى أن على المدين أن ينزل من كرسيه ويسلمه للدائن.

على الجانب الآخر، تصرفت القوة الصاعدة الجديدة، الصين بشكل مختلف تماما، على الرغم من النمو الهائل الذي شهدته اقتصاداتها في العقود الأخيرة.

فقد اعتمدت سياسة تقوم على ادخار نصف مداخيلها، على قاعدة حفظ القرش الأبيض لليوم الأسود، استعدادا للأزمات الاقتصادية الكبرى.

وقد أدت هذه السياسة التي ارتبطت بالنمو الكبير للدخل إلى تراكم في رأس المال.

مكنت هذه السياسة، الصين من تحقيق جملة من الأهداف.

فمن ناحية أسهمت سياسة الادخار في بقاء نسبة التضخم في الصين منخفضة باستمرار، مما خلق قدرة تنافسية عالية للبضائع الصينية في الأسواق العالمية، بسبب رخص أسعارها، ولكونها عملية وجذابة.

وقد مكنتها قدراتها المالية العالية من دعم الأمم الآسيوية عندما انهارت اقتصادياتها عام 1996، مما مكنها من تحقيق اختراقات سياسية واقتصادية في تلك المناطق.

إننا هنا إزاء مقاربة بين اقتصادين، أولهما تنذر مديونياته بقرب أفول مجده.

وكان عقب أخيل في فقدانه الصدارة، اعتماده سياسات خاطئة سوغت من حالة التضخم، وأسهمت في تردي أوضاعه، حيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تستهلك أكثر مما تنتج.

وإذا أخذنا بمقولة العلامة ابن خلدون فإن العمران بداية الشيخوخة، وكما يقول بعض المتصوفة، فليس بعد الاكتمال سوى النقصان.

إن تراكم السلوك الاستهلاكي، ووصول مستوى معيشة الأمريكيين من الرفاهية ورغد العيش حدا لا يجاريه أي شعب آخر، يعني استحالة تغيير المعادلة لصالح النمو في الاقتصاد الأمريكي.

ولن يكون بإمكانه الانكفاء إلى الداخل، بسبب ضعف الكثافة السكانية الأمريكية، قياسا إلى ما هي عليه في الصين والهند، بما يعني ضآلة حجم أسواقه الداخلية، وعدم قابليتها لاستيعاب الأزمة مؤقتا، دونما اعتماد كلي على الديون من الخارج.

على النقيض من ذلك، تملك الصين ادخارا هائلا، من الذهب والعملات. وحصتها في المديونيات الأمريكية كبيرة جدا.

وبإمكانها الانطلاق اقتصاديا بشكل كبير جدا مستخدمة مدخراتها.

وسيكون بوسعها باستمرار، عن طريق سياسة الادخار، أن تحد من حالات التضخم.

وحتى إذا تقلص نموها في الخارج، فإن لديها أسواق كبرى في الداخل، تعوض عن الأسواق الخارجية، لحين تنقشع ملامح الأزمة، فتعود إلى الأسواق العالمية مجددا، غير مثقلة بديون أو بحالة تضخم عالية.

وإذا ما صدقت ملامح هذه الرؤية، التي يدعمها ما هو متوافر أمامنا من وقائع.

فإن النظام العالمي الجديد، سيقوم على أساس تنازل القطب الأوحد عن كرسيه، ليحل بديلا عنه عالم متعدد الأقطاب، تلعب الصين الدور الريادي الاقتصادي فيه، وتكون الولايات المتحدة لاعبا رئيسيا لكن ليس أوحد، بل ضمن لاعبين رئيسيين آخرين: اليابان وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والهند، وليعاد الاعتبار للقانون الدولي ولشرعة الأمم وحق الأمم في تقرير المصير.

إن ما هو متوافر أمامنا حتى الآن، من برامج وسياسات أمريكية معلنة، بعد عام من تسلم الرئيس الأمريكي باراك أوباما سدة الرئاسة، تؤكد سلامة هذه القراءة.

فقد وصفت سياسات أوباما من قبل زبيغنيو بريجينسكي، مستشار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي، بأنها “أعادت ترتيب مفاهيم السياسة الخارجية بالكامل حيال قضايا جيوسياسية بالغة الأهمية”.

خاصة ما يتعلق بنزع السلاح النووي والتعاطي مع الصين على أساس أنها “شريك جيوسياسي”، والسعي لأداء دور “وسيط نزيه” في الشرق الأوسط.

إن مجمل توجهات سياسته الخارجية ركزت على إنعاش الآمال، بديلا عن الاختراقات الاستراتيجية”.

لكن ذلك لا يعني، بأية حال، أن سياسة أوباما قد تمكنت من تحقيق اختراقات رئيسية وعملية تجاه معالجة التركة الثقيلة التي خلفتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش.

والمؤكد أيضا أن الملفات الرئيسية، ذات العلاقة المباشرة بمنطقتنا، التي تعهد الرئيس أوباما أثناء حملته الانتخابية بمعالجتها، لا تزال تراوح مكانها، دونما تحقيق اختراقات عملية باتجاه إيجاد حلول عادلة لها.

من بين الملفات الرئيسية، التي وعدت إدارة الرئيس أوباما بمعالجتها، ملفات ثلاثة، اعتبرت من وجهة النظر الأمريكية مصادر قلق مباشر، وتهديد حقيقي للسلام العالمي: عملية السلام بين الصهاينة من جهة، والفلسطينيين والسوريين من جهة أخرى، ووضع حد للطموحات الإيرانية في امتلاك التكنولوجيا النووية، واحتلال العراق، والحرب في أفغانستان وباكستان.

وجميع هذه الملفات، بقيت معلقة دون حل، حتى إشعار آخر.

لكن أسئلة جوهرية تطرح نفسها بقوة: هل فعلا تراجع الرئيس الأمريكي عن برنامجه الانتخابي؟ بمعنى آخر، هل كان من المتوقع أن تحدث تغيرات دراماتيكية في السياسة الأمريكية، بما يعيد الاعتبار للقانون الدولي ولمجلس الأمن، وشرعة الأمم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمثل عجز الرئيس أوباما عن الوفاء بوعوده تراجعا عن تلك الوعود، بما يطرح سؤالا مركزيا آخر: هل الاستراتيجيات الأمريكية الكبرى هي استمرارية أم تغيير؟

هذه الأسئلة ومحاور أخرى ذات علاقة ستكون مواضيع للمناقشة في أحاديث قادمة بإذن الله.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية