في 12 شباط (فبراير) من عام 2002م فوجئ زوار موقع اللجنة الأولمبية الأمريكية الإلكتروني http://www.usoc.org/ بوقوعه تحت ضغط سيل من الرسائل الإلكترونية بلغت أكثر من 15 ألف رسالة إلكترونية في خمس ساعات فقط، مما تسبب في إصابة الموقع بالشلل التام وبالتالي تعذر النفاذ إليه من قبل عديد من المتصفحين. تبين فيما بعد أن كوريا الجنوبية هي مصدر تلك الرسائل ولذا فإن السبب من وراء إطلاق ذلك السيل الضخم من الرسائل لم يعد خافياً. تأتي تلك الهجمات على خلفية ما اعتقده جمهور كوريا الجنوبية من أنه حيف وقع على العداء الكوري كيم دونق سنق بتجريده من ميدالية ذهبية 1500 متر عدو وإعطائها لغريمه الأمريكي الذي حل ثانياً بتهمة تعاطيه المنشطات. علق متحدث باسم اللجنة الأولمبية على الحدث بقوله إن جمهوراً كورياً غاضباً فيما يبدو مما حدث للعداء الكوري قد أمطر الموقع بوابل من الرسائل الإلكترونية بهدف إهماده في سلوك بات يعرف بظاهرة الاحتجاج الإلكتروني e-protest.
برزت تلك الظاهرة أيضاَ عندما ثارت ثائرة عديد من الروس الذين رأوا في الخطوة التي أقدمت عليها جمهورية أستونيا بإزالة نصب تذكاري من عهد الحقبة السوفيتية إهانة للكرامة الروسية، فقاموا بشن حرب سايببريه استهدفت المواقع الأستونية، وذلك على مدى ثلاثة أسابيع وتسببت في تعطل أجهزة الحاسوب في الإدارات الحكومية وأقسام الشرطة والبنوك والصحف القومية. طالت الهجمات مواقع إلكترونية بالغة الحساسية تابعة لرئاسة الحكومة والأحزاب السياسية وجميع الوزارات الحكومية، إضافة إلى بنكين من أكبر البنوك المحلية. تسببت الحادثة كذلك في حدوث قلق عارم في الأوساط الأوروبية التي رأت أنه إذا ثبت وقوف جمهورية روسيا خلف ما حصل فإن ذلك يعد بمثابة أول حالة هجوم إلكتروني e-attack تشنها دولة على أخرى بحيث يكون الفضاء السايبري مسرحاً لها.
كان هناك لغط كبير بين المهتمين بالأمن الإلكتروني حيال تلك الهجمات التي يشنها أفراد بين فينة وأخرى التي تستهدف البنية التحتية الإلكترونية لبلدان أخرى. ففي حين اعتبر عديد منهم أن تلك الهجمات هي بمثابة عمل من أعمال الحرب warfare، ينظر إليها البعض الآخر بأنها أعمال عبثية تتم خارج سيطرة الحكومات في أحيان كثيرة. ولكن مع كثافة تلك الهجمات واتساع رقعتها وفداحة ما تخلفه من نتائج كارثية على البنية التحتية الإلكترونية للدول، فإن هناك اهتماماً عالمياً برز أخيراً ينصب على تكثيف الجهود لتأمين أقصى أنواع الحماية للشبكات الإلكترونية وسد أي ثغرات قد يستغلها بعض المقاتلين الإلكترونيين في شن هجماتهم المدمرة. ولعل الولايات المتحدة تدرك أكثر من غيرها أهمية انتهاج استراتيجية للتعامل مع أي حرب إلكترونية قد تندلع في أي وقت ولذا فقد سارعت إدارة الرئيس باراك أوباما إلى تعيين هوارد شمت Howard Schmidt على رأس جهاز حكومي ضخم يعنى بتأمين الشبكات الإلكترونية الحيوية داخل الولايات المتحدة .
ما السيناريوهات المحتملة لأي حرب إلكترونية عالمية؟ هناك عدة احتمالات لنشوب حرب إلكترونية عالمية. فقد تقتصر تلك الحرب على أعمال الجاسوسية الإلكترونية cyber espionage والتي تهدف إلى النفاذ إلى أوعية معلوماتية حساسة بهدف التلصص على النشاط العام للأفراد والمؤسسات ومن ثم اصطياد بعض المعلومات التي تُصنف عادةً بالسرية. هناك أعمال أخرى تصنف في خانة البلطجة الإلكترونية web vandalism والتي تستهدف إعطاب المواقع الإلكترونية وإهمادها لأسباب سياسية أو اقتصادية وهي - أي البلطجة الإلكترونية - الأكثر شيوعاً بين كل الجرائم الإلكترونية الأخرى. يأتي على رأس تلك الأعمال البلطجية ما بات يعرف بهجمات اختطاف الخدمة denial-of - service وبالتالي حرمان المتصفحين من الولوج إلى المواقع المستهدفة. عادة ما تكون مثل تلك الهجمات على درجة عالية من التخطيط، حيث تقوم أعداد هائلة من المستخدمين بالولوج دفعة واحدة إلى الموقع المستهدف، مما يتسبب في الضغط على السيرفرات التي تشغل الموقع فيعلن عجزه عن تسهيل دخول تلك الأعداد الهائلة من المتصفحين عبر بث رسائل الخطأ التي تظهر عادة عندما يصاب الموقع بالشلل بحيث يصبح غير قادر على خدمة متصفحيه. ولكن الأخطر من كل تلك السيناريوهات أن يتم النفاذ إلى شبكات إلكترونية تابعة لخدمات اجتماعية حساسة مثل منظومة الاتصالات، وشبكات المياه ومولدات الكهرباء والطاقة لبلدٍ ما ومن ثم تخريبها إما كلياً أو جزئياً.
وفي دليل على تنامي ظاهرة الهجمات الإلكترونية عبر الفضاء السايبري، قالت شركة مكافي للحلول الأمنية في تقرير نشرته أخيرا أن هناك ما لا يقل عن 120 دولة حول العالم تسعى لتطوير قدرات قتالية لشن هجمات عبر الفضاء السايبري cyber - attack وذلك عن طريق تطوير برمجيات قادرة على إحداث عطب في أجهزة الكمبيوتر لمواقع إلكترونية حساسة مثل الأسواق المالية والمصالح الحكومية وغيرها من القطاعات الحيوية. يلمح التقرير إلى أن تلك الهجمات لا يمكن أن ُتشن من قبل أفراد، فدقة تلك الهجمات، ودرجة تنظيمها، والدعم المادي الذي يقف وراءها تشي بأن هناك حكومات تتبناها وتقف خلفها. وأفاض التقرير في بيان أن عديداً من الدول منخرطة في أعمال التجسس على الحواسيب في دول أخرى لأغراض عسكرية وسياسية وربما اقتصادية. وخلُص التقرير أيضاً إلى أن عصابات الإجرام الإلكتروني متورطة في صور شتى من القرصنة الإلكترونية مثل استلاب الأرصدة البنكية للعملاء، أو التجسس على الأفراد بغرض الابتزاز وذلك عن طريق تطوير برمجيات يمكن بثها عن طريق الإنترنت، وكذلك تسريب معلومات مالية شخصية بطريقه - غير قانونية.
لكن السؤال المطروح هو ما إذا كان العالم العربي في صراعه مع أعدائه يتخذ من الحيطة والحذر ما يصد به أي هجوم على بناه التحتية الإلكترونية التي بلا أدنى شك أنه جرى اختبارها من قبل دول بعينها لرصد الثغرات التي يمكن أن يلج منها المقاتلون السايبريون لتدمير المواقع الإلكترونية العربية أو إلحاق الضرر بها؟ وهل نعي حقيقة أن أمن شبكاتنا الإلكترونية رهن بما نتخذه من احتياطات ووسائل دفاع نافذة لمجابهة أي صدام إلكتروني محتمل مع أي جهة؟
