رغم تسميته احتفالا باليوم العالمي لضغط الدم، إلا أنه في الواقع ليس سوى موعد سنوي لتذكير العالم بمخاطر هذا الداء الذي يجد اهتماما واسعا من جميع المنظمات الصحية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، التي تقرن دائما بين مرض السكري وتصلب الشرايين وضغط الدم. وهي سلسلة واحدة أو مجموعة من العلل تهاجم الجسم في غفلة من الوعي الصحي المفترض لدى كل فرد، ولكن يبدو أن حجم الضغوط التي يواجهها إنسان العصر تجعل منه ضحية دون أن يدري، ومع الزمن الذي تتراكم فيه عوامل المرض، ويصبح الإنسان أكثر استعدادا للإصابة يُفاجأ وفي وقت متأخر بأنه أصبح عضوا عن غير اختيار في عيادة مرضى ضغط الدم.
والأسوأ الذي يحذر منه الأطباء أن على المريض أن يتوقع مزيداً من العلل المصاحبة عادة لضغط الدم، ما لم يبادر إلى تغيير جذري في نمط حياته وغذائه ويدخل الرياضة كبرنامج يومي في أعماله، حتى يمكن خلق توازن بين عوامل الصحة وعوامل المرض، وما أكثر عوامل المرض، وكم لها من تأثير سلبي في حياة الفرد اليوم، فضغوط الحياة تلقي بكامل وزنها الثقيل على أجهزة الجسم، وخصوصا الدورة الدموية التي تتلقى ارتداد الصدمات النفسية وتخزن في ثناياها ألغاما خفية تهدد صحة الإنسان بل حياته.
ولعل الأرقام خير من يتحدث فقد صرح أحد الأطباء في أرقى المستشفيات السعودية، وفي محاضرة علمية بأن نحو 25 في المائة إلى 30 في المائة من السعوديين يعانون ضغط الدم المرتفع، و25 في المائة منهم فقط يتم علاجهم لتخفيض الضغط للمعدل المناسب، ويعود ذلك حسب رأي الطبيب إلى أن الأغلبية لا يتم تشخيص مرضهم في وقت مبكر، والبعض لا يأخذون العلاج بشكل منتظم، والبعض الآخر لا يتم علاجهم بالشكل المناسب، ويضيف أن لهذا المرض تأثيراً كبيراً في أعضاء مهمة في الجسد مثل القلب والدماغ والكلية، أما احتمال الإصابة بالجلطات الدماغية فهو وارد لدى المرضى بهذا الداء أكثر من غيرهم، حيث تحصد الجلطات الناتجة عن مرض ضغط الدم خمسة ملايين ضحية سنويا على مستوى العالم.
والمشاهد في زحمة الحياة اليومية وفي ظل ما أصاب الاقتصادات المحلية والعالمية أن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة من أي وقت مضى لارتفاع أعداد المرضى بسبب الضغوط النفسية وبسبب المعاناة مع كوارث السوق وخسائرها التي قد نكون نحن الأقل تأثرا بها على المستوى الدولي، إذا ما استثنينا الانهيار الذي شهدته سوق الأسهم وفتح خطوط مباشرة بين صالات فروع البنوك وعيادات المستشفيات، ولا تزال الآثار المالية تنعكس على رب الأسرة والزوجة، وخصوصا أولئك الذين وقعوا في شرك الديون ليقضوا سنوات من عمرهم في سدادها.
إن الأطباء يؤكدون إعطاء الأولوية للصحة وتحميل كل فرد مسؤولية العناية والاهتمام بصحته البدنية وتقديمها في الترتيب على أي محفظة استثمارية، فالصحة أكثر من أن تكون تاجا على رؤوس الأصحاء بل الصحة ثروة حقيقية لا يشعر بقيمتها إلا من خسر شيئا من رصيدها، حيث تبدأ تكاليف العلاج تقضم من مدخراته ووقته وجهده وتستهلك ساعات راحته وتغزو عليه خلواته دون أن يكون له أي اختيار.
وإذا كان الأطباء ينصحون بتقليل ملح الطعام باعتباره مصدر الداء، فإن الجانب الذي قد يغفل عنه الكثير هو الصحة النفسية، حيث يعد الكثيرون أن التوتر والضغوط جزء من طابع الحياة اليومية المعاصرة وينسون أن باستطاعة الإنسان أن يخفف من هذا العبء، وأن يدرأ عن معنوياته ومشاعره الصدمات باجتناب مسبباتها أو التوافق مع صعوبات الحياة وإعطاء النفس راحة من الإجهاد، فالرياضة والترويح عن النفس يفقدان أي مكان لهما لو انسقنا خلف طموحاتنا، فهل يكفي تخفيف ملح الطعام لمواجهة ضغط الدم؟!
