الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

كان القرار الذي اتخذته إدارة أوباما بالسعي إلى أسلوب جديد مباشر في إدارة العلاقات بين الولايات المتحدة وبورما بمثابة الاعتراف بأن عقودا من الزمان من المحاولات الرامية على عزل بورما (ميانمار) من أجل تغيير سلوك حكومتها لم تحقق إلا أقل القليل من الإنجاز. ومع استعداد الجنرالات الذين يحكمون بورما لعقد انتخابات في وقت لاحقٍ من هذا العام ـ للمرة الأولى منذ عام 1990 ـ فقد حان الوقت لتجربة أسلوب مختلف.

إن محاولة إشراك واحدة من أشد الحكومات استبداداً في العالم لن تكون بالمهمة اليسيرة. وليس هناك من الأدلة ما يشير إلى أن قادة بورما سيردون بشكل إيجابي على الرسالة المهمة التي وجهتها إليهم إدارة أوباما، التي دعتهم فيها إلى إطلاق سراح ما يقدر بنحو 2100 سجين سياسي (ومنهم داو أونج سان سو كي)، والانخراط في حوار حقيقي مع المعارضة، والسماح بعقد انتخابات نزيهة وشاملة. والواقع أن القوانين الانتخابية التي سنتها حكومة بورما أخيرا، والتي قوبلت بإدانة دولية، تشير بالفعل إلى عملية انتخابية تفتقر إلى المصداقية.

في الخريف الماضي، قمنا بتشكيل مجموعة عمل تحت رعاية جمعية آسيا للنظر في الكيفية الأفضل التي تستطيع بها الولايات المتحدة الاستمرار على مسار المشاركة مع بورما. وخلصنا إلى نتيجة مفادها أن الولايات المتحدة لا بد أن تضمن أن سياساتها لن تعمل من دون قصد على دعم أو تشجيع عناصر الاستبداد والفساد في المجتمع البورمي. وفي الوقت نفسه فإذا حددت الولايات المتحدة سقفاً أعلى مما ينبغي منذ البداية فإنها بذلك ستحرم نفسها من الإسهام بدورٍ فعّال في مساعدة بورما على التحرك بعيداً عن حكم الاستبداد والانخراط في المجتمع الدولي.

وأثناء هذه الفترة من عدم اليقين فإننا نوصي بصياغة سياسة أمريكية في التعامل مع بورما تقوم على أساس التغيرات الطارئة على البلاد، باستخدام كلٍ سبل المشاركة والعقوبات لتشجيع الإصلاح. والواقع أن القرار الذي اتخذته إدارة أوباما بإبقاء العقوبات التجارية المفروضة على بورما في حالة غياب أي تغيير حقيقي، وخاصة فيما يتصل بعدم تسامح الحكومة البورمية مع أي معارضة سياسية، كان صحيحاً.

ورغم ذلك فما زال هناك عديد من التدابير الأخرى التي ينبغي أن تتخذ الآن. فيتعين على الولايات المتحدة ألا تكتفي بإشراك قادة بورما وأن تعمل على إشراك نطاق عريض من المجموعات داخل البلاد من أجل تشجيع الحوار الضروري لتحقيق المصالحة الوطنية بين المؤسسة العسكرية، والجماعات الديمقراطية، والمواطنين من غير المنتمين إلى القومية البورمية. والواقع أن مبادرة الولايات المتحدة إلى إزالة بعض العقوبات غير الاقتصادية المصممة لتقييد التفاعل الثنائي الرسمي تستأهل الترحيب، ولا بد أيضاً من تحقيق قدرٍ أعظم من الاسترخاء في الاتصالات، سواء من خلال القنوات الرسمية أو غير الرسمية. وتوسيع هذه القنوات، وخاصة أثناء فترة التغيير السياسي المحتمل، من شأنه أن يعزز من نفوذ الولايات المتحدة.

ومن أجل التواصل مع الشعب البورمي مباشرة، يتعين على الولايات المتحدة أن تستمر في تنمية وترقية برامج المساعدات، مع الاستمرار في تقديم المساعدات عبر الحدود. ولا بد أيضاً من توسيع المساعدات المقدمة إلى المنظمات غير الحكومية، وتوجيه المساعدات الأمريكية نحو المزارعين الصغار والمشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم. ولا بد أيضاً من زيادة التبادلات التعليمية في إطار برامج فولبرايت وهمفري وأنشطة التوعية الثقافية. ولا شك أن مثل هذه البرامج تنتج عوامل قوية لتنمية المجتمع في بورما، ومن الممكن أن تعمل على تحسين آفاق الحكم الأفضل بشكل كبير.

ينبغي للسياسة الأمريكية أن تتحول نحو مرحلة أكثر نشاطاً وقوة إذا بدأ قادة بورما في تخفيف القيود السياسية، وتأسيس الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز حقوق الإنسان. وإذا لم يحد أي تحرك على هذه الجبهات، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط الرامية إلى تشديد العقوبات في الولايات المتحدة. وإذا لم يتبق أمام الولايات المتحدة خيار سوى فرض عقوبات أقوى، فيتعين عليها أن تنسق مع الآخرين، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، لفرض تدابير مالية ومصرفية محددة لضمان عجز القادة العسكريين وأعوانهم عن التهرب من تأثير العقوبات التي قد تكون أقل فاعلية من دون هذا التنسيق.

إن نشوء سيناريوهات جديدة من شأنه أن يفتح الطريق أمام دورٍ أكثر فاعلية للولايات المتحدة في تقديم المساعدات في إطار بناء القدرات، والتدريب على الحكم، والجهود الدولية اللازمة لتشجيع الإصلاح الاقتصادي. ومن بين الأولويات في هذا السياق ضرورة وضع آلية مناسبة لضمان التخصيص اللائق لعائدات بيع الغاز الطبيعي بحيث تلبي الاحتياجات الوطنية الملحة.

وفي تعديل سياستها في التعامل مع بورما يتعين على الولايات المتحدة أن تواجه الحقيقة برؤية صافية لما قد تتمكن سياستها الخارجية من تحقيقه. والواقع أن النفوذ الأمريكي في بورما من غير المرجح أن يفوق النفوذ المتزايد للدول الآسيوية المجاورة. وعلى هذا فيتعين على الولايات المتحدة أن تعتبر التعاون مع غيرها من أصحاب المصلحة الرئيسيين وخاصة رابطة دول جنوب شرق آسيا، والأمم المتحدة، وجيران بورما ـ بما في ذلك الصين والهند واليابان ـ محوراً لسياستها.

إن الظروف في بورما من بين الأسوأ على مستوى بلدان العالم من كل النواحي، وسيستغرق الأمر عقوداً من الزمان لعكس الاتجاهات السلبية الحالية وإرساء الأساس لحكمٍ ديمقراطي مستدام وقابل للاستمرار ومجتمع مزدهر. ويتعين على الولايات المتحدة أن توطن النفس على الاستجابة بفاعلية ومرونة للتقلبات والمنعطفات التي قد يتخذها التحول المحتمل في بورما مع الوقت، مع الحرص على ممارسة الضغوط على قادة بورما من أجل دفعهم إلى التحرك في اتجاهات إيجابية.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية