جاءت صياغة الأمر الملكي الكريم الذي اقتضى إحالة المتهمين في كارثة فيضانات جدة العام الماضي إلى هيئة الرقابة والتحقيق، وهيئة الادعاء العام .. حازمة وحاسمة لتؤكد مضي خادم الحرمين الشريفين في مشروعه الوطني لمواجهة الفساد، وتصحيح مسار العمل التنموي بما يكفل حق الوطن والمواطن والمقيم، ويحفظ حق الوطن في استثمار موارده في بناء بنيته التحتية، وبما يليق بوطن يعد أحد أبرز قيادات العالم الاقتصادية. ولعل السرعة التي أنجز فيها ملف هذه القضية ووضعه في يد الادعاء العام توطئة لإحالته إلى الجهات القضائية، تعكس بجلاء حرص خادم الحرمين الشريفين على إحقاق الحق، وضرب عناصر الفساد، خاصة في ظل وجود ضحايا من المواطنين والمقيمين بات واضحا ومنذ الوهلة الأولى، حينما وقعت الكارثة في يوم التروية أنه يضع نفسه ـ يحفظه الله ـ في مقام ولي الدم .. استشعارا منه لمسؤوليته في حماية أبنائه كافة، ومواجهة أي خروقات تهدد أمنهم وعيشهم بكرامة في مملكة وقعت منذ زمن وعلى يدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ميثاقها مع كل ما هو إنساني.
إن التركيز على جانب الذمم في الأمر الملكي، وترقيتها كقيم إسلامية وإنسانية ما هو إلا تجسيد حقيقي للمنهج الذي أراده عبد الله بن عبد العزيز لبلاده، وهو الذي ردد غير مرة، وهو يعلن بالأرقام أضخم موازنات الدولة وعلى الملأ أنه يضعها من ذمته إلى ذمة كل مسؤول إمعانا في تبرئة الذمة أمام المولى ـ عز وجل، وإيقاظا لهذه القيمة الأصيلة في نفوس الناس شعبا وحكومة من أجل أن تكون هذه الخيرات والثروات التي أنعم الله بها على هذا الوطن سببا في سيادة الرخاء والاستقرار، وضمانا لصيانة حياة الجميع وكرامتهم، وإيصادا لأبواب الإثراء غير المشروع، لذلك جاءت هذه الخطوة المباركة لتتمم مؤدّى تلك الرسائل التي استهل بها ـ يحفظه الله ـ عهده الميمون، ليدرك الجميع أن الوطن أصبح فعلا أمام مرحلة جديدة لا مكان فيها إلا للمخلصين والعاملين لخير الوطن والمواطن، والقادرين على ترجمة هذا الإنفاق السخي من الدولة إلى مشاريع نابضة بكل معاني العطاء، وصدق النيات والأعمال.
والأصداء الإيجابية الواسعة التي قوبل بها هذا الأمر الملكي الكريم من قبل مختلف أطياف المجتمع، تبين كيف يصطف هذا الوطن بكامل شرائحه خلف قيادته الحكيمة التي عكست بقراراتها نبض الشارع، وأثبتت أنها ستبقى في الطليعة لقيادة خطوات الإصلاح، وستعمل بحزم من أجل تنظيف سواقي الوطن مما قد يعلق بها من أوضار الأطماع لضمان جريان مياه التنمية كالينابيع وكالدماء في الشرايين لتغذية كل أرجاء جسدنا الوطني دون تمييز أو محاباة لأحد.
وإذا ما كان هذا الأمر الملكي النوعي بامتياز قد وضعنا إزاء مرحلة جديدة في مساراتنا التنموية .. فإن ما يأمله المواطن وكامتداد طبيعي لهذه الخطوة المباركة أن يتم إنشاء هيئة مكافحة الفساد، التي سبق أن أقرها مجلس الوزراء الموقر تحت عنوان الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد في جلسته المنعقدة يوم الإثنين 19 شباط (فبراير) 2007 م، لتوافر الآلية الإدارية لمواجهة هذا الداء ومحاربته على مختلف الصعد، ولتكون الذراع الإدارية والقانونية لهذا المشروع الوطني النزيه الذي ضرب فيه خادم الحرمين الشريفين أروع الأمثلة والنماذج في معنى الإصلاح الذي يستمد حضوره من الضمير الحي، والأمانة المتقدة، والمسؤولية الأخلاقية، والقيادة الوطنية المخلصة التي لا تخشى في الله لومة لائم.
