يفاجأ المستهلكون في كل مكان من العالم اليوم, بتغير حاد في الأسعار صعودا وهبوطا ودون مقدمات أو مؤشرات يمكن الاستفادة منها لترتيب أمورهم المالية أو التعاقدية, فلم تعد أسعار النفط فقط تخضع لهذه الحالة بل شاركها في ذلك كل السلع المتداولة في الأسواق المحلية والعالمية، وهذا الوضع الجديد على المستهلكين يؤدي إلى توسيع نطاق هذه الظاهرة لتشمل السلع الأساسية من الغذاء والدواء وجميع مواد الإنتاج الأولية, بل كل ما يمكن أن يتم عليه التداول بين البائعين والمشترين محليا ودوليا.
إن أبسط طلبات المتعاملين في الأسواق اليوم سواء كانوا مشترين بالجملة أو بالتجزئة هو وجود استقرار نسبي في الأسعار يساعدهم على تحديد التزاماتهم للوفاء بها، فالعقود تخضع لتغير متوقع على الأطراف إجراء ترتيب دقيق له تلافيا لحدوث الاختلاف بينهم في الحقوق والالتزامات، ولعل عقود المقاولات والوكالات التجارية والبيع بالآجل في سوق السلع هي الأكثر احتياجا لمثل هذا الترتيب الذي أوصل كثيرين إلى ردهات المحاكم دون إرادتهم بل بسبب حدوث ارتفاع أو انخفاض شديد يلحق ضررا بالغا بأحدهم لمصلحة الطرف المتعاقد الآخر.
ولعل تأمل أسباب ذلك يعيدنا إلى هدف سعت إليه كل دول العالم وهو تحرير التجارة العالمية من المعوقات الوطنية التي تجعل من الحدود السياسية مانعا من التأثير في الأسواق المحلية، فالدول تريد حماية أسواقها ومنتجاتها ومصالح اقتصاداتها الوطنية، بينما سعى المنتجون العالميون إلى هدف آخر هو اختراق تلك الحدود والولوج إلى قلب الأسواق المستهلكة لجني مزيد من الأرباح والمكاسب, بل التأثير أكثر في عملية التسويق والتوزيع واقتناص الفرص الذهبية قبل المنافسين لهم في سوق الإنتاج العالمي.
إن الذين تظاهروا في بعض عواصم العالم ضد تحرير التجارة لم يروا الإيجابيات التي ستنتجها فكرة تحرير التجارة أو أنهم لم يكونوا ليستفيدوا منها مباشرة ولا حتى على المدى البعيد بل تصوروا تأثير ذلك في حقوقهم كمستهلكين أو منافسين من الحجم الوسط أو الصغير في سوق تلعب فيها التماسيح دور الصانع والمحرك للأسواق والمنتجات ومن ثم الأسعار، ولقد كانت مخاوف المستهلكين وصغار المنتجين في محلها وهي اليوم تملك الأدلة على صدق مخاوفهم, فأقل طلباتهم اليوم هو استقرار الأسعار ولو بصورة نسبية تمكنهم من اتخاذ القرار الاستهلاكي أو الاستثماري المناسب دون مخاوف من حدوث تقلبات في الأسعار تجعل من ترتيباتهم شيئا لا وزن له.
وإذا نظرنا إلى أسواقنا المحلية نجد الأخبار تتسابق إلى ذهن المستهلك حول زيادة أسعار الحديد ومواد البناء عموما ثم زيادة أسعار المواد الغذائية ثم انخفاض أسعار الأصول المالية من عقارات وأوراق مالية ووحدات استثمارية ثم ارتفاع في أسعار الإيجارات للوحدات السكنية والتجارية، ولأن وجود رابطة سببية بين كل تلك العناصر غير موجود حسبما يظهر، فإن ما يتبادر إلى الذهن هو وجود حالة فعل ورد فعل بين المتعاملين في الأسواق، فالقاعدة العامة هي رفع الأسعار في كل شيء حتى تصل إلى الحد الذي تنخفض بعده بشكل تلقائي ثم يتحرك طرف آخر مؤثر ليرفع الأسعار في سلعة أخرى، وهكذا يتم تقاذف الكرة بين لاعبين غير مرئيين لا نشاهدهم, ولكننا نلمس أثر قراراتهم التي تكون أحيانا غير محلية بل هي عابرة للحدود دون إذن من أحد.
وحتى يتكيف المستهلك مع متغيرات الأسعار الحادة فإن عليه أن يتخذ قراراته من واقع احتياجه الفعلي، حيث لم يعد هناك مجال رحب لممارسة الرفاهية المفرطة أو بناء أهرام من الأمل، فالاقتصاد في الرزق نصف المعيشة, والاقتصاد علم يساعد على اتخاذ القرارات الصحيحة ليس على مستوى الدول أو المجموعات العملاقة بل هو علم في خدمة الجميع، وقد يكون المستهلكون هم الأكثر قدرة على التأثير في الأسعار لو تبنوا نظرية الانحناء بحكمة حتى تمر عاصفة الأزمة المالية التي خلقت الفرصة في تعويض الخسائر على حساب القانون الاقتصادي الذي يربط بين العرض والطلب.
