الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

مرّ العالم العربي في مرحلة الستينيات والسبعينيات بما يمكن تسميته مرحلة إفراز الشعارات، وكأن كل نظام سياسي يفتش عن مشروعية وجوده من خلال تبني شعار ما يقدمه لجماهيره كعنوان، غير أن تلك الشعارات لم تستطع أن تبرح مكانها لأنها كانت تستمد حضورها من مغازلة أحلام الجماهير دون أن يكون لها أي رصيد في الواقع, خاصة ما يتصل بآليات التنفيذ، أو الرؤية للتفاعل مع واقع الأمة وظروفها، وكانت النتيجة أن زادت مساحة الشقة بين الأمة ومحيطها العام، وتفاقمت المشكلات تباعا، لأن تلك الشعارات كانت تحمل بذور تفتيتها من داخلها لافتقارها إلى الأذرع والسيقان التي تحملها.

الملك عبد الله بن عبد العزيز الرجل القادم بفروسية ابن الصحراء، وشفافيته وعشقه للوضوح، والرجل الذي يعرف الجميع مدى تمسكه بعروبته وانحيازه للدفاع عن قضايا أمته منذ بداية دخوله المعترك السياسي، لم يستسلم لغواية حمى الشعارات التي غالبا ما تذهب كفقاعات الصابون، وإنما جاء بمشروعه إلى الحكم وهو يحمل رؤيته الخاصة بكامل عدتها وأدواتها، منطلقا من إيمان عميق بأن هذه الأمة لن يستقيم أمرها ما لم تتجاوز صغائر الخلاف فيما بينها لتقف صفا واحدا في مواجهة تحديات التنمية، لتتمكن بعدئذ من بناء رؤية استراتيجية فاعلة إزاء المستقبل واستحقاقاته، لذلك حينما أطلق مبادرته في حوار الأديان والثقافات لم يكن - يحفظه الله - يتماهى مع لغة الشعارات تلك التي قسمت العالم العربي تحديدا إلى عدد من المعسكرات المعطلة، إنما كان يتصدى بالفعل لمشروع حضاري وإنساني كبير، ما لبث أن ترددت أصداؤه في مختلف القارات, خصوصا بعد اللقاء الشهير الذي عقده مع بابا الفاتيكان في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007، لينطلق المشروع بقوة دفع دولي لأنه جاء في منعطف دقيق وبما يحاكي تطلعات كل عقلاء العالم، فبدأت المؤتمرات والدراسات، وتشكلت على ضفافه لغة أخرى للتواصل الدولي بين الثقافات، خففت كثيرا من نبرة اللجوء إلى الحوار بالأسلحة، لا سيما بعد التجارب الدولية المريرة في كل من أفغانستان والعراق وغيرهما من مناطق النزاع في العالم.

غير أن خادم الحرمين الشريفين الذي لا يستثمر في المشاريع الناقصة، ولا يكفيه من المجد أن ينسب مشروع حضاري كبير إلى اسمه، أدرك برؤيته البعيدة أن الحوار والتواصل بين الشعوب والحضارات لن يكتملا ما لم تكن هنالك لغة مشتركة للحوار، على اعتبار أن اللغة هي أولى أدوات الحوار، مستلهما من التاريخ العربي والإسلامي والإنساني تلك الكيفية التي نقلت الحضارة الإسلامية للغرب ليؤسس عليها علومه فيما بعد من خلال الترجمة. فلم يتأخر في الإعلان عن جائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية للترجمة، كرافد قوي وجديد لمشروع حوار الحضارات، ما دفع ''يونيسكو'', وهي المؤسسة الدولية التي تعنى بالثقافة, إلى احتضان الجائزة في نسختها الثالثة أخيرا في إشارة بالغة الدلالة إلى الترحيب الدولي الكبير بهذا المشروع الرائد الذي يأتي في سياق منظومة التواصل بين الثقافات لتعزيز الجسور، وضرب بؤر الريبة وسوء الفهم بالاطلاع المباشر على المنجز الفكري والعلمي والثقافي للآخر دون التورط في هواجس التوجس. الذي يتأمل كيف أن الجائزة ساوت بين الفرعين ـ العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، يدرك بوضوح نضج تلك المقاصد وغاياتها في فتح كل الدفاتر المغلقة ما بين الشرق والغرب، أولا لنزع فتيل الاختلاف بالحوار العلمي .. ثم لمواصلة بناء الفكر على مثيله لخدمة الإنسانية، وهو بهذه الصفة مشروع تكاملي عظيم لا يستطيع أي طرف أن يدّعي أنه ينتصر له على حساب الآخر، وهذا يعني بالتأكيد تحييد فرض الهيمنة بالقوة العسكرية أو الاقتصادية، ويحقق أقصى مبادئ الشراكة بين الأمم لحساب احترام الهويات وحفظ الحقوق. فعلا إن مشروع جائزة الترجمة أشبه ما يكون بعملية زرع لسان مشترك في سقف حلق الثقافات المختلفة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية