قصص إبداع وابتكار سعودية وأخرى يابانية

|
المهندس تكاهاشي في الـ 30 من عمره، التحق بالعمل في شركة صناعة سيارات مشهورة بعد تخرجه من كلية الهندسة الميكانيكية في إحدى الجامعات اليابانية متخصصاً في التصميم الصناعي. بعد تدوير وظيفي على عدة أقسام في الشركة تلقى خلاله تدريباً مكثفاً على رأس العمل، استقر تكاهاشي في إدارته المفضلة المسؤولة عن تطوير منتجات جديدة، وجد فيها فرصة لتحقيق حلم قديم. كان تكاهاشي يحلم بتصميم سيارة رياضية تستهدف شريحة الشباب بين 20 و30 سنة تسهم في إدخال شركته مجتمع المعلومات بعد أعوام من إنتاج عدد قليل من الموديلات المتشابهة وبكميات تجارية ضخمة تمشياً مع متطلبات العصر الصناعي السائدة حينها. وعلى الرغم من أن تكاهاشي لم يجد صعوبة في كسب الدعم لسيارته الرياضية في أوساط زملائه الشباب، إلا أنه عانى الأمرين في إقناع الإدارة المتوسطة الأكثر تقليدية، قبل رفع الاقتراح للإدارة العليا لإقراره وفق نظام اتخاذ القرار الجماعي (رنقي شو) المتبع في الشركات اليابانية. في كتابه البحث عن التميز In Search of Excellence، شبه تي جي بيترز الإدارة المتوسطة في الشركات بالحاجز الذي يمنع الأفكار الجيدة من الصعود إلى الإدارة العليا، وخَلُصَ إلى أنه كلما قل عدد المديرين وجدت المشاريع المجدية طريقها للتنفيذ. وقد لاقى مشروع المهندس تكاهاشي قبول الإدارة العليا التي رأت فيه فرصة لإعادة هيكلة الشركة من تنظيم هرمي رأسي إلى هيكل تنظيمي أكثر أفقية تقل فيه مستويات الإدارة المتوسطة ويعزز من الاعتماد على تقنية المعلومات. وكم كانت سعادة تكاهاشي غامرة وهو يشرف على أعمال التصميم النهائية لسيارته الرياضية التي أبصرت النور بعد سنتين وحققت نجاحاً باهراً، ليس فقط في اليابان، بل أيضاً في الأسواق العالمية، فلا شيء يسعد المبدع من رؤية حلمه يتحقق على أرض الواقع. إصرار تكاهاشي على تحقيق حلمه يذكرني بقصة معاناة أياكوكا، المدير التنفيذي السابق لشركة فورد للسيارات عندما حارب لتمرير فكرة السيارة الشبابية ''موستنق'' على الرغم من معارضة عائلة فورد التقليدية المسيطرة على مجلس الإدارة حينها. من جهة أخرى، دعا المستشار الاقتصادي بشير الكحلوت في نشرة منظمة الخليج للاستشارات الصناعية الصادرة في آذار (مارس) 2010م إلى تمكين الصناعات الخليجية بالتحرر من الاعتماد على تقنيات الآخرين لتطوير منتجات جديدة، وذلك من خلال إعطاء أهمية خاصة للإبداع والابتكار وجعله محوراً رئيساً ضمن استراتيجياتنا الصناعية كما فعلت الاستراتيجية السعودية للصناعة حتى عام 2020م. ضمن ندوة صحيفة ''الاقتصادية'' حول الاستراتيجية الوطنية للصناعة بتاريخ 26 آب (أغسطس) 2009م، أكد زميل الدراسة الثانوية المهندس رياض الربيعة، العضو المنتدب للشركة السعودية لأنابيب الصلب – الذي هو نفسه يُجسد قصة نجاح سعودية – على أن المملكة لا تخلو من الإبداع والابتكار الصناعي. وقد روى المهندس الربيعة قصة نجاح الفني الإلكتروني زهير عبد الجبار الذي التحق بالعمل في شركته في المنطقة الصناعية الثانية في الدمام بعد أن أكمل تعليمه الفني في كلية الجبيل الصناعية وبادر إلى ابتكار نظام كمبيوتر لإصلاح المكائن حتى أصبح مطلب مصانع المنطقة لمعالجة أي أعطال لديهم وتدريب عمالتهم الأجنبية على استخدام النظام. وأضاف المهندس الربيعة مثالا آخر لإبداع سعودي بطله الفني حبيب السلمان المتخصص في أعمال الجلفنة الذي علَّم نفسه تركيب وتشغيل معدات خطوط إنتاج ألمانية، وخَلُصَ إلى أن العامل السعودي إذا أكرمته وجعلته يعيش في جو صحي بلا مشكلات يصبح مبدعاً بكل المقاييس، وهنا يكمن مربط الفرس. فمعظم الإدارات العليا في شركاتنا التي تملك الدولة فيها حصة الأغلبية تُدار كما لو كانت شركات عائلية تعتمد سياسة التسلط الإداري – وليس التحفيز الوظيفي – وتعتقد أن الموظف السعودي كسلان بطبعه غير قادر على تحمل المسؤولية والإبداع والابتكار. وقد دأبت بعض هذه الإدارات العليا على تهميش الكفاءات السعودية – ربما خوفاً على الكراسي – والاعتماد على الخبثاء الأجانب الذين جروهم إلى استحواذات خارجية متعثرة كانت على وشك الإفلاس والإغلاق وبضعف القيمة العادلة، مما استنزف عوائد استثماراتنا المحلية التي تحظى بدعم حكومي كفيل بجعلها أكثر شركات العالم ربحية حتى لو أدارها طلبة كليات الاقتصاد وإدارة الأعمال. وفي رأيي، لا تخلو شركاتنا من المبدعين والمبتكرين السعوديين وخصوصاً في المجال الصناعي الذين بإمكانهم المساهمة في نجاح شركاتهم متى ما توافرت الإدارات العليا المُحفزة التي تكافئ المُجد وتستبعد المتخاذل بعيداً عن وباء المحسوبية الذي بدأ يفتك بشركاتنا، وربما حان الوقت لإحداث تغيير جذري لإنقاذ ما تبقى من هذه الشركات قبل أن يقع الفأس في رأس المساهمين.. إذا لم يكن وقع بعد.
إنشرها