الخميس, 8 أكتوبر 2026|25 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

انخفاض المعروض من الأسمنت والحديد وهما المادتان الرئيستان في البناء أدى إلى ارتفاع سعرهما وعودة الأزمة من جديد لتؤثر في حركة التنمية بشكل عام وتمس مشاريع سكنية وتجارية ضخمة كان من المفترض أن تكون في عداد الإنجازات المحققة ورغم تباين وجهات النظر عن السبب الحقيقي خلف أزمة العرض والأسعار، إلا أن حجم المشكلة يصل إلى دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يجب أن يكون هناك موقف موحد لدول المجلس التي هي وحدة جمركية واقتصادية واحدة تجاه دول العالم، ولذا فقد جاء اجتماع وكلاء وزراء المالية والاقتصاد في دول المجلس لتوحيد الموقف من وسيلة المعالجة وهل سيكون الإعفاء من الجمارك حلا ملائما.

لقد أصبح الإسراع في معالجة أوضاع الأسمنت والحديد واستقرار الأسعار بشكل أكبر هدفا مشتركا لدول المجلس، كما أن توحيد الأسعار في جميع الدول الخليجية هو أيضا غاية مطلوبة من أجل تخفيف وطأة الأزمة على المشاريع التنموية، فقد أعلن في منتدى فرص الأعمال السعودي ـ الأمريكي الذي عقد في الولايات المتحدة أنه من المقرر أن تنفق المملكة أكثر من 400 مليار على مدى الأعوام الخمسة المقبلة في مجال التنقيب والإنتاج والتكرير والمعالجة والتسويق للنفط والغاز، كما أعلنت هيئة الإسكان عزمها البدء في تنفيذ مشاريع سكنية تتجاوز خمسة آلاف وحدة سكنية، كما أعلنت هيئة الطيران المدني عزمها تنفيذ توسعة ضخمة في مطار الملك عبد العزيز الدولي.

وهناك مزيد من المشاريع لا مجال لذكرها, فضلا عن المشاريع الخاصة بالشركات والمؤسسات والأفراد وكلها تخضع لضغط توافر مواد البناء وأهمها الأسمنت وحديد التسليح وهي مشاريع ستفتح آفاق العمل لآلاف الأيدي العاملة وتحرك رؤوس أموال ضخمة ولها مردود إيجابي على الوطن والمواطن, وهي أزمة ليست خاصة بمواد البناء فقد عانت السوق السعودية أزمة ارتفاع الأسعار عموما أو رفعها بصورة مصطنعة، ولعل هذا ما يدور في أذهان كثيرين من العملاء أو البعيدين عن التحليل الدقيق للأسباب، فالمنافسة كانت لمصلحة العملاء ولكنها تحولت بعد ذلك لتكون ضد العملاء والمستهلكين، حيث ذهبت المنافسة أدراج الرياح وجرفتها الأزمة المالية وكأن كل من بيده سلعة لن يمررها حتى يحقق منها أرباحا تعوضه عن خسائره أو بعضها.

ويتساءل العملاء والمستهلكون عن وجود احتكار غير مرئي للحديد والأسمنت وهو تساؤل له ما يبرره فوزارة التجارة لم تعلن انخفاضا في المعروض من الأسمنت والحديد، كما أن التصدير قد تم وقفه لمصلحة المشاريع الوطنية، ومع ذلك فهناك أزمة تطل برأسها لتهدد بوقف عديد من المشاريع أو زيادة تكلفتها على الملاك والمستثمرين، أما عن وصول بعض المشاريع إلى المحاكم نتيجة لعدم القدرة على التنفيذ بالأسعار المتفق عليها فهي نتيجة طبيعية وتقع دون اختيار الأطراف.

إن الاستثمار العقاري عموما ومحدودي الدخل هم الأكثر تضررا, فالقلة هي من تستطيع أن تتجاوز الأزمة وتحصل على مواد البناء بالأسعار التي يفرضها السوق فالوقت له قيمته، ومع ذلك, فإن مشكلة ارتفاع الأسعار أنها أصبحت كالمصيدة يقع فيها دفعة أولى من الزبائن والمستهلكين ثم لا تلبث أن تنكشف لتعود الأسعار مرة أخرى إلى وضعها الطبيعي منخفضة, ليعود البائعون ومن خلفهم لخلق أزمة جديدة برفع الأسعار، وهكذا فمن يتابع موجة الأسعار يجدها تقفز وتهبط دون أسباب واضحة وملموسة وغير متوقعة.

ويبدو أن الفيروسات المعدية انتقلت إلى الأسواق, وأصبحت ظاهرة غير صحية لا مفر من التعامل معها, وتوقي آثارها على المتعاملين الذين لا يجدون وسيلة مجدية سوى التأقلم مع هذا التذبذب السريع, وكأن الأسواق جوقة تعزف ألحانا نشازا تهز جيوب العملاء ومشاعرهم وعلاقاتهم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية