الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تمثل مشكلات المرور هاجسا مقلقا لكثير من الدول، خاصة تلك التي تشهد معدلات متزايدة في أنماط التنمية وحركة البناء، حيث يتنامى عدد المركبات صعودا بما يفوق قدرة الطرقات على الاستيعاب، الأمر الذي يتسبب في مزيد من الاختناقات، إلى جانب ما يحدث من تجاوزات لأنظمة المرور، جعلت حوادث السير تحتل المرتبة الأولى عالميا في مسببات القتل والإعاقة وتدمير الممتلكات، بما يفوق الأرقام التي عادة ما تخلفها الحروب.

الإدارة العامة للمرور التي بدأت أخيرا بتطبيق نظام ''ساهر'' ابتداء من العاصمة الرياض لرصد المخالفات، وضبط حركة المرور آليا بهدف تقليل حجم الخسائر المرورية التي سجلت فيها المملكة للأسف رقما متقدما لا يزال يثير قلق المسؤولين في وزارة الداخلية، أرادت بهذا النظام أن تنجز عملا نوعيا يحقق أقصى درجات الأمن والسلامة لكل مستخدمي الطرق، ويوقف ذلك النزيف المجاني من خلال استخدام أدوات التقنية الحديثة على مدار الساعة، وهو نظام طموح وشامل سيكون من شأنه أن يؤسس لرؤية مختلفة لمشكلات السير والمخالفات التي تنجم عنه، وسيحقق أقصى درجات الإنصاف لطرفي المعادلة: صاحب المركبة من جهة ورجل المرور من الجهة الأخرى، ولا نريد أن نزيد على هذا بحكم أن النظام لا يزال في مراحله الأولى .. رغم أن كل المؤشرات التي يُمكن بناؤها على آلياته وأدوات تنفيذه والاستعدادات الكبيرة التي هيأها المسؤولون لوضعه موضع التنفيذ، تشي بنجاحه كوسيلة ضبط نرجو أن نرى مخرجاتها سريعا في حجم تدني نسب الحوادث إلى معدلاتها الطبيعية، وهذا لن يتم بالتأكيد ما لم يؤمن الجميع أن هذا النظام ما جاء إلا ليحميهم ويصون حياتهم من مخاطر الطرقات.

وفي إطار الحملة المرورية القائمة للتثقيف ببنود هذا النظام المروري الجديد والمتطور، تجدر بنا الإشارة إلى ما يمكن تسميته بحرب الشاحنات على طرقاتنا، حيث يُلاحظ أن بعض العاملين في مجال النقل البري غالبا ما يستقدمون سائقين غير مؤهلين وغير مدربين على قيادة مثل هذه الشاحنات الضخمة، ومن بيئات ربما لا تكون فيها حركة السير على الطرقات العامة بالكثافة نفسها، ليسلموا لهم العنان دون الدخول في أي دورة تدريبية كافية ترفع من مستوى تأهيلهم للقيادة في طرقات سريعة، الأمر الذي يؤدي إلى إرباك حركة السير .. خاصة حينما يصر بعض السائقين على ترك المسار الأيمن المخصص للشاحنات، إما بغرض التجاوز بسرعات متدنية قد تتسبب ـ لا سمح الله ـ في مضايقة السائقين الآخرين، أو بغرض الهروب من ذلك المسار المتآكل بسبب الحمولات الزائدة بحثا عن مسار أقل تضررا، ما يرفع من نسبة المخاطر ويعرض حياة الكثيرين للخطر، لذلك كان من الأولى ألا يتم تسليم مثل هذه الشاحنات لأي سائق ما لم يكن قد خضع لدورة تدريبية كافية ترفع من مستوى تأهيله لقيادتها، وتجعله أكثر وعيا بكيفية التعامل مع الطرق السريعة بمثل هذه الكثافة المرورية التي تشهدها طرقنا المحلية.

إن عملية التجاوز بين شاحنتين وفي طريق من ثلاثة مسارات وبسرعات متدنية دون تقدير دقيق للمسافة فيما بينها وبين السيارات القادمة هو أشبه ما يكون بعملية تحويل الطريق إلى عنق زجاجة، قد تكون المحاذير الناجمة عنه مخيفة ومفزعة خاصة في بعض الطرق التي تكثر فيها الانحناءات أو تلك التي تمتد فوق بعض التلال، ما يرفع من نسبة الخطورة، والذين يستخدمون هذه الطرق يشاهدون على مدى الساعة كثيرا من مثل هذه المشاهد التي يُفترض أن تفاديها هو من أبجديات سائقي الشاحنات الكبيرة وفق أنظمة السير المعمول بها عالميا، لولا أن هؤلاء السائقين بثقافتهم المهنية قدموا غالبا من بلدان فقيرة لا تتوافر فيها مثل هذه الطرقات، ما يجعل التنازع على استخدام الطريق هو السمة الغالبة بين الجميع. لهذا يُصبح التأهيل والتدريب مطلبا ملحا تفرضه ضرورة البيئة الجديدة التي يجب أن يُلم سائق الشاحنة بأدبياتها قبل أن يجلس خلف المقود .. وهي حتما مسؤولية العاملين في ميدان النقل البري.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية