الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تناولت في المقال السابق مدخلات التعليم ومخرجاته وعرجت في آخر المقال على الدراسات العليا وتحديداً الموازي منها، فدعونا نبدأ اليوم من حيث انتهينا في المقال السابق، لقد بدأت بالفعل تتشكل لدينا معالم التعليم الموازي، حيث وضعنا عليه بصمتنا الخاصة حتى أصبحت مفردة الموازي تعني تراخي معايير القبول والتسامح في استيعاب الطلاب متدني التحصيل حتى باتت قاعات الدراسات العليا مكتظة بالمتردية والنطيحة وما أكل السبع! هذا تقرير واقع مؤلم، حيث إن تجربة التعليم الموازي حديثة لدينا, إذ لم يتجاوز عمرها أربع سنوات فهي ما زالت غضة طرية يمكن إصلاح ما اعوج منها وتقويمه، أما إن تغافلنا عنها فسنحصد والأجيال علقمها وستلقي بظلالها على تعليمنا ومآلاته على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، إذ إن هناك ارتباطا وثيقا بين النمو الاقتصادي والاجتماعي وبين نمو التعليم العالي، فالثاني شرطٌ جوهري للأول بمعنى أن تطوير التعليم العالي هو الخطوة رقم واحد في خطوات التنمية الاجتماعية والاقتصادية world Bank 1994.

بعد هذه التقدمة لندخل إلى صلب موضوعنا بإثارة مجموعة من الأسئلة المهمة والمُلّحة ونتناولها بالتحليل والنقاش ممتطياً فيها النصح علّه يستبين اليوم قبل الغد وقبل خراب مالطا!

بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

وهذه الأسئلة هي:

1. ما مفهوم التعليم الموازي؟

2. هل إكمال الدراسات العليا حق مكتسب لكل طالب أم أنه للمتميزين والنابغين منهم؟ (معايير القبول).

3. هل تبدو منطقية مقولة ''إن لم نستوعب طلابنا استوعبهم غيرنا من الجامعات الخارجية والوهمية بالمراسلة وغيرها'' هل تبدو هذه المقولة منطقية وعقلانية ومن ثم تعتمد كفلسفة لهذا النوع من الدراسة؟ (معايير المدخلات).

4. هل يمكن أن تُمارس العملية التعليمية (تدريساً وتقويما) بشكلها الصحيح والسليم في ظل هذا التوسع في طلاب الموازي (معايير العمليات).

5. هل تهدف جامعاتنا بالفعل من وراء هذا التوسع المساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية أم أن ثمة أهدافا أخرى؟ (معايير المخرجات).

خمسة أسئلة مهمة وإجاباتها مفصلية في معالجة هذه الظاهرة، أما السؤال الأول فمفهوم التعليم الموازي هو ذلك النوع من التعليم غير النظامي الذي يهتم بتنمية الشخصية بهدف تحسين جودة الحياة Diana. 1996، المعهد الأسترالي للمعلومات القانونية: 2001.

والحقيقة أن الدول المتقدمة يوجد لديها ما يسمى بالتعليم المستمر continuing education وهو تعليم وتأهيل مهني وليس أكاديميا.

أما ما يتعلق بالسؤال الثاني هل إكمال الدراسات العليا حق مكتسب لكل طالب أم أنه للمتميزين والنابغين منهم؟ (معايير القبول)، فالمطلع على كتيب سياسة التعليم في المملكة يجد ضمن أهداف التعليم العالي: المادة 111 - إتاحة الفرصة أمام النابغين للدراسات العليا في التخصصات العلمية المختلفة. والمتأمل في مؤهلات قوائم القبول في الدراسات العليا التعليم الموازي يجدها تراوح في تقدير (جيد) وندرة من (ممتاز) و(جيد جدا) وثلة ترجح الكفة من تقدير (مقبول)، فبالله عليكم فسروا لي كيف قُبل المقبول في الموازي، نسأل الله القبول! وهنا جمعنا بين حشفٍ وسوء كيل, فالأعداد كبيرة والمستوى مقبول فماذا عسانا ننتظر من تعليمٍ هذه المدخلات!

بعد هذا هل تبدو منطقية مقولة ''إن لم نستوعب طلابنا استوعبهم غيرنا من الجامعات الخارجية والوهمية بالمراسلة وغيرها''، هل تبدو هذه المقولة منطقية وعقلانية ومن ثم تعتمد كفلسفة لهذا النوع من الدراسة؟ (معايير المدخلات).

أظن ضعف وهشاشة هذه الفلسفة لا يحتاج إلى بيان, وحسبكم مصادمتها لسياسة التعليم في المملكة, ففي الفصل الخامس: التخطيط للتعليم العالي تنص المادة (135) على أن - تفتح أقسام للدراسات العليا في التخصصات المختلفة كلما توافرت الأسباب والإمكانات لذلك. فالضابط هنا توافر الأسباب والإمكانات، أما الأسباب فتهافت الدارسين على الجامعات الضعيفة أو حتى شبه الوهمية هو مسألة وعي في الدرجة الأولى، وقد أعدت وزارة التعليم العالي ضوابط ومعايير لمعادلة الشهادات العلمية، أما الإمكانات فأعطوني عقلاً يستوعب قدرة أحد الأقسام في إحدى الجامعات على استيعاب 600 طالب وطالبة في 20 قاعة بمعدل 30 طالبا في القاعة الواحدة، مع أن المعايير الدولية تؤكد ألا يزيد طلاب المرحلة الابتدائية عن 22 طالبا في الفصل الواحد!

أما ما يتعلق بالسؤال الرابع هل يمكن أن تُمارس العملية التعليمية (تدريساً وتقويما) بشكلها الصحيح والسليم في ظل هذا التوسع في طلاب الموازي (معايير العمليات)، فالإجابة الصريحة والمؤملة في الوقت ذاته أنه لا يمكن ذلك، فالتعليم في الدراسات العليا يعتمد على التعليم التفاعلي الذي يقوم على محورية دور الطالب في البحث والعرض والمناقشة, وهذا يستحيل مع وجود 30 طالبا في القاعة الواحدة إذ لو افترضنا أن الأستاذ يحتاج إلى عشر دقائق فقط لمناقشة الطالب الواحد فإنه سيحتاج إلى 300 دقيقة أي خمس ساعات، ونحن نعرف أن أقصى مدة للمحاضرة الواحدة ثلاث ساعات بواقع فعلي ساعتان ونصف! ناهيكم عن الإشراف على البحوث التكميلية والرسائل في نهاية البرنامج! هذا في التعليم, أما في التقويم فثمة ثقافة بدأت تنتشر في التعليم العالي مؤداها أن الامتياز حق مكتسب لجميع الطلاب والحقيقة أن هذه الثقافة, وهذا المنهج الخفي يكرسه جملة من ممارسات بعض الأساتذة أقول بعض الأساتذة! والحقيقة أن هذه الممارسة موجودة وبشكل ملحوظ في التعليم العام بشكل مختلف وهي استحقاق النجاح لكل أحد, ولذلك تسمع عبارات من قبيل (خله يمشي، لا تدقق، عساه يلقى وظيفة) وغيرها من العبارات الموغلة في تضييع الأمانة! والحقيقة المرة في تفسير مثل هذا الأمر وهو - التراخي في معايير النجاح والتميز- إنما هو نتيجة منطقية للضعف في معايير العمليات، ولذلك ليس قصد هؤلاء المعلمين والأساتذة في الحقيقة الرأفة بهؤلاء الطلاب أو الشفقة عليهم لكنه نتيجة حتمية لضعف تدريسهم وتهلهل (العمليات) ولهذا لا يستطيعون التشدد في تطبيق معايير النجاح والتميز تبعاً لذلك، وهذا أمر مشاهد والعامة تقول (لا تبوق ولا تخاف!).

أما آخر الأسئلة المهمة في موضوعنا هل تهدف جامعاتنا بالفعل من وراء هذا التوسع المساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية أم أن ثمة أهدافا أخرى؟ (معايير المخرجات) سيما إذا علمنا أن الطالب في الموازي يكلف الدولة 12 ألف ريال في الفصل الدراسي الواحد بمعنى أن القاعة ذات الـ 30 طالباً تكلف 360 ألفا نصيب الأستاذ منها قرابة 45 ألفا!

إن الأسئلة الأربعة الأولى وإجاباتها هنا تدفع السؤال الخامس إلى أن يكون في طليعة هذه الأسئلة ومقدمتها ! أم ندع هذا السؤال هو الآخر يمر!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية