رعى الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض البارحة احتفال الغرفة التجارية الصناعية في الرياض بمناسبة بمرور 50 عاماً على إنشائها. أمسية وفاء تضمنت تكريم أعضاء مجلس إدارة الغرفة في دورته الأولى، وعدد من وزراء وزارة التجارة السابقين، ورؤساء مجالس إدارة الغرفة عبر دوراته الـ 15.
جسدت الـ 50 عاماً الماضية رحلة نمو أسهمت خلالها الغرفة بدور وطني مميز في خدمة ودعم قطاع الأعمال في منطقة الرياض بما يمكنه من أداء دوره المأمول في عملية التنمية الاقتصادية الوطنية الشاملة خلال القرن الماضي.
يعود تاريخ الغرف التجارية الصناعية إلى الأربعينيات الميلادية من القرن الماضي عندما تأسست غرفة جدة في 1945م. أعقب ذلك تأسيس غرفة مكة المكرمة في 1947م، فغرفة المنطقة الشرقية في 1952م، فغرفة الرياض في 1961م. جاء تأسيس هذه الغرف كانعكاس طبيعي لتطور الحركة التجارية والصناعية في هذه المناطق الجغرافية.
يشير تقرير وزارة الصناعة والكهرباء، بعنوان ''تطور الصناعة خلال 100 عام (1319-1419هـ)''، إلى وجود 274 مصنعا في السعودية في نهاية 1960م، موزعة على ثلاث مناطق: الغربية (154 مصنعا)، والشرقية (66 مصنعا)، و الوسطى (54 مصنعا). تباينت أنواع هذه المصانع إلى قرابة 60 نوعا من الصناعات، من أكثرها ورش تصليح الآلات، ومصانع البلاط والرخام، ومصانع الثلج. تميزت هذه المصانع بتواضع أحجامها وأعداد قواها العاملة ومساهمتها في إجمالي الناتج المحلي.
عملت الغرف التجارية الصناعية الأربع الأولى بوجود هذه المنظومة الصناعية المتواضعة ضمن مبادرات شخصية من مؤسسيها، وما يجودون به من تبرعات. لذلك كانت إمكانات التأسيس متواضعة، وتحديات النمو جساما، ومساهمات مجموعة من رجال الأعمال في دفع رسوم الاشتراكات محدودة.
لعلي في هذا السياق أسترجع دور الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض في تشجيع وتحفيز الشيخ عبد العزيز بن سليمان المقيرن، يرحمه الله، في تأسيس الغرفة التجارية الصناعية في الرياض، وجهوده الكبيرة في تأسيس هذا المنتدى الاقتصادي لقطاع الأعمال في منطقة الرياض ليسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية الشاملة.
حدث خلال تلك الفترة تطوران مهمان يعدان الوقود الذي أسهم في مواجهة الغرف التجارية الصناعية لتحديات تأسيسها، ومن ثم نموها لتصل إلى هيئتها الحالة الفاعلة في عملية التنمية الاقتصادية الشاملة.
التطور الأول، صدور أمر ملكي كريم في بداية 1950م بإلزامية الاشتراك في الغرف على جميع الموردين والمصدرين والوسطاء و المقاولين والمصارف، وإلزام الجمارك السعودية بعدم فسح أي بضاعة مستوردة ما لم يكن صاحبها مسجلاً في الغرفة ومشتركاً فيها. والتطور الثاني، صدور قرار مجلس الوزراء الموقر في 1961م بإعطاء كل غرفة قطعة أرض مناسبة لإقامة بناية لها عليها تتلاءم والتطور العمراني في المملكة.
بدأ الاقتصاد السعودي مطلع هذا العقد رحلة عبور الموجة الخمسينية الثانية (2000 - 2050) بعد أن عبر الموجة الخمسينية الأولى (1950 - 2000) بنجاح، وسجل مستويات اقتصادية مرموقة ستمكنه، بعون الله تعالى، من مواصلة المسيرة بما يعود بالنمو والرخاء المستديمين على جميع مقوماته. تحمل رحلة عبور الموجة الخمسينية الثانية هذه تحديات وآفاقا مختلفة في الكم والنوع عن تلك التي ظهرت إبان رحلة عبور الموجة الخمسينية الأولى. يعد ذلك ترجمة طبيعية لتطور دور الاقتصاد السعودي من اقتصاد ''محلي - إقليمي'' يعتمد على مورد اقتصادي وحيد في الأمس، إلى اقتصاد ''إقليمي -عالمي'' يعتمد على مجموعة من الموارد الاقتصادية في الغد، بعون الله تعالى.
ولما سيشكله قطاع الأعمال خلال رحلة عبور الاقتصاد السعودي الموجة الخمسينية الثانية من دور محوري أكثر تأثيراً من دوره خلال الموجة الخمسينية الأولى. ولما يعلّق على الغرف التجارية الصناعية من دور رئيس في تنسيق العلاقة بين قطاع الأعمال وباقي مقومات الاقتصاد السعودي، من جهة، والاقتصادات العالمية، من جهة أخرى، فإنه من الأهمية بمكان التأكيد على إعادة النظر في التركيبة الحالية للغرف التجارية الصناعية من منتديات اقتصادية مبنية على أسس جغرافية (الرياض، جدة، الشرقية، ... إلخ)، إلى منتديات اقتصادية مبنية على أسس مهنية (الإنشاءات، البتروكيماويات، الاستثمارات، ... إلخ).
تركز هذه الأسس المهنية الحديثة المقترحة على تحوير الغرف التجارية الصناعية إلى غرف اقتصادية نوعية تعتمد على القطاعات الإنتاجية المنوط بها أداء دور تنموي رئيس خلال الموجه الخمسينية الثانية. تهدف هذه الغرف إلى تمثيل مصالح قطاع أعمال معين يعمل ضمن قطاع إنتاجي محدد، حيث يصبح لكل قطاع إنتاجي غرفته الخاصة به التي تمثل جميع المقومات العاملة في هذا القطاع من موردين، ومصدرين، ووسطاء، ومقاولين، ومساندين.
مقترح يهدف إلى إنشاء تكتلات اقتصادية وطنية قادرة على تلبية احتياجات قطاعاتنا الإنتاجية على المستويات المحلية، والإقليمية، والدولية بما يضمن مساهمة أكثر فاعلية لقطاعات الأعمال خلال موجة الاقتصاد السعودي الخمسينية الثانية.
