التوسع في السياسات المالية والنقدية في الصين خلال العام الماضي ساعد على انتعاش الناتج المحلي الإجمالي, حيث شجعت الحكومة الصينية الإقراض المصرفي لمواجهة بوادر الانكماش والانخفاض الكبير في الصادرات في ظل الكساد الكبير. إضافة إلى ذلك، النفقات المالية الحكومية، ولا سيما تلك المرتبطة بحزمة التحفيز التي بقيمة 586 مليار دولار والمعلنة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، أدت إلى حدوث نمو كبير جدا في استثمارات الأصول الثابتة في عام 2009 مقارنة بعام 2008. الحكومة الصينية قدمت أيضا الدعم والتخفيضات الضريبية في قطاع تجارة التجزئة، ما أدى إلى حدوث طفرة في مبيعات الأجهزة المنزلية والسيارات، وهذه الأخيرة جعلت من السوق الصينية أكبر سوق للسيارات في العالم عام 2009، متفوقة على الولايات المتحدة للمرة الأولى.
في المستقبل القريب من المتوقع أن يتسارع النمو الاقتصادي في الصين، حيث من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي فيها من نحو8.1 في المائة في 2009 إلى أكثر من 9.3 في المائة عام 2010. الزخم القوي في الاقتصاد المحلي وانتعاش الصادرات مجددا سيدعمان هذا المعدل من نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الصين هذا العام. أما في عام 2011 ونتيجة للآثار المترتبة على سياسة نقدية أكثر تشددا وتلاشي الحوافز المالية واستمرار وجود بيئة خارجية ضعيفة اقتصاديا، من شأنها أن تعمل على تخفيف نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2011 قبل أن ينتعش من جديد في السنوات اللاحقة.
لكن الزخم لإعادة الهيكلة الاقتصادية في الصين اكتسب مزيدا من الدعم منذ العام الماضي بسبب نمو الطاقات الفائضة في القطاعات الصناعية المختلفة نتيجة ضعف الطلب الخارجي. حيث إن الصين تشعر الآن ببعض التأثيرات بعد الأزمة مرتبطة بصورة رئيسة بالقروض الميسرة، مثل التضخم والطاقات الفائضة عن الحاجة. كما أن ارتفاع معدلات الادخار لدى الأفراد والشركات والتفاوت في الدخل ما زالت قائمة. ومع إدراكها هذه المشكلات، قامت الحكومة الصينية بالفعل بتدابير لتشديد السياسة النقدية في محاولة لكبح التضخم في أسعار الأصول، حيث من المتوقع أن تقوم الحكومة بسحب تدريجي للحوافز، لكن مع ضمان بقاء السيولة متوافرة. كما أعلنت الحكومة عن أهداف لتوحيد الصناعة ودعم أكبر من القيمة المضافة للصناعات الناشئة، بما في ذلك تشجيع الطاقات النظيفة وتحسين الكفاءة. علاوة على ذلك، تم بالفعل إحراز تقدم ملموس، حيث على الأرجح سيستمر هذا التقدم مع تحسن شبكة الرعاية والأمان الاجتماعي، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم العام، جميع هذه التدابير من شأنها تشجيع مزيد من الاستهلاك المحلي.
إن إعادة هيكلة الاقتصاد تدريجيا ستساعد الصين على الوصول إلى استخدام للطاقة أكثر كفاءة وفي الوقت نفسه تساعد على تحقيق أهداف انبعاث الكربون التي وضعتها الحكومة. على سبيل المثال، ستستمر الحكومة على الأرجح في الاستفادة من الطاقات الفائضة في قطاع الطاقة الكهربائية وتقوم بغلق محطات توليد الطاقة الصغيرة وغير الكفؤة التي تعمل بالفحم الحجري. ومن المقرر أيضا أن تقوم الصين برفع أهدافها السابقة على المدى المتوسط من الطاقة النووية، كما هي بالفعل حاليا مصنع كبير في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، حيث من المتوقع نمو هائل في إنتاج الطاقة الكهربائية من هذه المصادر. كما أن التحول عموما من قطاع الصناعات الثقيلة إلى قطاع الخدمات وصناعة التقنيات العالية سيساعد أيضا على خفض كثافة استهلاك الطاقة, وبالتالي تخفيف الضغط على إمدادات الطاقة في المستقبل, فضلا عن المساعدة على كبح انبعاث الكربون.
في بلد مثل الصين حيث الصناعة تشكل نحو 70 في المائة من إجمالي الطلب على الطاقة، العوامل الاقتصادية تشكل عاملا حاسما في تحديد اتجاهات الطلب على الطاقة في المستقبل. الركود الاقتصادي الأخير هو خير مثال على مدى قدرة الاقتصاد وسياسات الطاقة على التأثير في استهلاك الطاقة. على سبيل المثال الطلب على الكهرباء انخفض في الصين على نحو أكثر درامية وفي وقت مبكر مقارنة بالبلدان الأخرى، لكنه تعافى بسرعة أيضا نتيجة انتعاش الإنتاج الصناعي.
أما بخصوص الطلب على النفط، نتيجة لضعف النمو الصناعي وتراجع الطلب الصناعي على النفط، مجموع الطلب على النفط في الصين انخفض بنحو 2 في المائة في النصف الأول من عام 2009 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2008. هذا حدث على الرغم من النمو القوي في الطلب على البنزين مدفوعا بالإعفاءات الضريبية والدعم لشراء السيارات. لكن بعد الانتعاش الاقتصادي بفعل الحوافز المالية والسياسات الضريبية التفضيلية المرتبطة بمبيعات السيارات، خلال النصف الثاني من عام 2009 الطلب على المنتجات النفطية المختلفة بدأ في استعادة عافيته من جديد مع استمرار الطلب القوي على البنزين. حيث كان نمو الطلب على هذه المنتجات النفطية كبيرا جدا، ما نجم عنه نمو في إجمالي الطلب على النفط أكثر من 4 في المائة خلال عام 2009، على الرغم من الانخفاض في النصف الأول. حيث إن سياسات التحفيز التي استهدفت قطاع السيارات، التي في معظمها على شكل محفزات قصيرة الأجل مثل خفض الضرائب والإعانات النقدية المباشرة لمشتري السيارات الجديدة، أدت إلى طفرة كبيرة في مبيعات السيارات. هذا النمو الهائل في أسطول المركبات وفر أساسا قويا لنمو الطلب على البنزين في الصين خلال العام الماضي. حيث إن إجمالي مبيعات السيارات الجديدة زادت أكثر من 45 في المائة عام 2009 مقارنة بعام 2008، لكن ليس من المؤكد بعد إذا ما كانت مبيعات السيارات القوية ستستمر في العام الحالي والأعوام المقبلة بالوتيرة نفسها. أما على المديين المتوسط والبعيد، من المرجح أيضا أن تقنيات السيارات الجديدة ستسوق على المستوى التجاري، وهذه بدورها ستؤثر في الطلب على النفط التقليدي من جراء استخدام الوقود البديل.
إن أحدث البيانات بشأن الطلب العالمي على النفط لعام 2010 تشير إلى انتعاش وقوة الطلب على النفط في الدول الناشئة والنامية، ولا سيما الصين والهند والشرق الأوسط. حيث النمو الهائل في أسطول المركبات وفر أساسا قويا لنمو الطلب على البنزين في الصين، هذا النمو سيؤدي إلى نمو إجمالي الطلب على النفط في الصين بحدود 0.4 مليون برميل يوميا في عام 2010.
أما على المديين المتوسط والبعيد وبالنظر إلى كل العوامل الآنفة الذكر، تبرز التساؤلات التالية: إلى أي مدى ستستمر وتيرة النمو في الطلب على النفط في الصين؟ ما مدى فاعلية السياسات المتبعة في الحد من استهلاك النفط، خاصة بالنسبة لأنواع الوقود المستخدم في غير وسائل النقل؟ هل هناك أي تغييرات هيكلية من الممكن أن تحدث وتؤثر في استهلاك النفط ومزيج أنواع الوقود؟ وعلاوة على كل ذلك، ما تأثير ودور تقنيات السيارات البديلة في هذا الجانب؟
