الخميس, 8 أكتوبر 2026|25 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تعد مستويات إنتاجية العمالة ومعدلات نموها من المتغيرات الاقتصادية المهمة في أي بلد من بلدان العالم، فعندما ترتفع مستويات الإنتاجية فإن هذا يدل على ارتفاع مستويات المعيشة. من ناحيةٍ أخرى، فإن ارتفاع معدلات نمو إنتاجية العمالة يدل على وجود نمو اقتصادي جيد ويقود إلى تحسن في مستويات الأجور والمعيشة، كما يدل على تبني سياسات اقتصادية ناجعة وفعالة في دفع عجلة النمو الاقتصادي.

ولقد ارتفعت بقوة معدلات نمو إنتاجية العمالة في عدد كبير من الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية, وذلك نتيجةً للتغيرات الهيكلية والتقنية. وأسهم نمو التجارة العالمية وانفتاح الأسواق في رفع مستويات تخصص الدول, ما دفع بإنتاجية العمالة، كما أسهمت مشاريع البنية الأساسية في معظم دول العالم في رفع إنتاجية العمالة. وكان للتقنية ورفع كثافة رأس المال الدور الكبير في رفع إنتاجية العمالة. وبعد ارتفاع أسعار الطاقة في منتصف السبعينيات من القرن الـ 20 تراجعت معدلات نمو إنتاجية العمالة في عدد من الدول الصناعية. ورأى بعض المختصين أن ارتفاع أسعار الطاقة حد من رفع الكثافة الرأسمالية في القطاعات الاقتصادية بسبب ارتفاع تكلفة استهلاك رأس المال للطاقة، ويبدو هذا التبرير منطقياً. من جهةٍ أخرى، يمكن القول إن ارتفاع أسعار الطاقة حول جزءا من الاستثمارات الرأسمالية في القطاعات الإنتاجية إلى قطاعات توفير وإحلال الطاقة وقطاعات إنتاجها ما قلل من حجم الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية الداعمة لإنتاجية العمالة. وحصل هذا في الدول الصناعية التي ترتفع فيها الكثافة الرأسمالية، أما في بعض الدول النامية فقد استمر ارتفاع الإنتاجية العمالية على الرغم من ارتفاع أسعار الطاقة، كما ارتفعت واردات وكثافة استخدام الطاقة لهذه الدول ولعل من أبرز هذه الدول النمور الآسيوية. ويدل النمو القوي الذي حدث في عدد من الدول الآسيوية قبل أزمتها المالية في نهاية تسعينيات القرن الـ 20, على أن صعود أسعار الطاقة لم يحل دون رفع الكثافة الرأسمالية التي دفعت بإنتاجية العمالة إلى مستويات مرتفعة.

أما انخفاض معدلات نمو إنتاجية العمالة في المملكة خلال السنوات العشر الماضية فقد يكون ناتجاً عن انخفاض مستويات التعويض الرأسمالي للعمالة وعن انخفاض مستويات تدريب وخبرة العمالة في القطاع الخاص. واستمرار ارتفاع كثافة استخدام العمالة في المملكة جاء على الرغم من تدني أسعار الطاقة، وعلى النقيض من المتوقع لم يشجع تدني أسعار الطاقة على رفع الكثافة الرأسمالية في الإنتاج. ومن المؤكد أن جزءا كبيراً من النمو الاقتصادي في القطاع الخاص غير النفطي حصل في القطاعات كثيفة الاستخدام للعمالة. وشجعت سياسات استقدام العمالة المرنة وتدني أجور العمالة المستقدمة على تدني خبرات ومهارات العمالة المستقدمة، كما أسهمت بقوة في بقاء الاقتصاد متصفاً بكثافة عمالية مرتفعة. وفي المقابل عانت العمالة الوطنية التي حظيت بمستوى تعليمي أفضل البطالة بسبب تدني مستويات الأجور. كما دفع جمود مستويات الأجور بجزء كبير من العمالة الأجنبية مرتفعة الخبرة والإنتاجية إلى العودة إلى بلادها أو الهجرة إلى أماكن أخرى تتلقى فيها أجورا أعلى ما أدى إلى فقدان الاقتصاد الخبرات البشرية وفقدان تراكم تلك الخبرات التي ترفع الإنتاجية. كما قد يكون لتراجع الدعم الحكومي للاستثمار الرأسمالي وارتفاع تكاليفه دور في استمرار ارتفاع كثافة استخدام العمالة في الاقتصاد.

ومن الغريب ألا تؤدي الجهود القوية التي بذلتها الدولة والمجتمع إلى رفع مستويات الإنتاجية بقوة. فقد أنفقت استثمارات ضخمة على البنية الأساسية، إضافة إلى بذل جهود جبارة من قبل الحكومة والأفراد في المجالات التعليمية والصحية. وإضافة إلى ذلك لا يمكن نسيان التغيرات التقنية الكبيرة التي حصلت خلال العقد الماضي والتي من أبرزها التقدم الكبير في مجالات المعلومات والاتصالات. وكل هذه الأمور كان ينبغي أن تقود إلى ارتفاع كبير في إنتاجية العمالة الحقيقية، لكن يبدو أن استخدامنا للموارد ليس ذا كفاءة عالية كما يبدو أن بيروقراطية الحكومة والقطاع الخاص لم تستفد من كل هذه التغيرات الاستفادة المطلوبة وظلت مستويات أدائها دون تحسن. وأعتقد أننا في حاجة ماسة إلى النظر بعمق إلى أسباب عدم تحسن إنتاجية العمالة وعلينا التغلب عليها لرفع مستويات المعيشة وخفض مستويات البطالة الوطنية. إن التوسع الاقتصادي في الخدمات المستخدمة للعمالة منخفضة الخبرة لا يخدم الاقتصاد الوطني وإنما يقود إلى استقدام جيوش من العمالة منخفضة الأداء تعمل في تقديم خدمات هامشية، ولهذا فإن فرض حدود دنيا من الخبرات التعليمية والفنية على العمالة المستقدمة وتشجيع العمالة الأجنبية عالية الخبرة على البقاء من الأدوات التي ستقود إلى رفع إنتاجية العمالة وإلى رفع مستويات الأجور أيضاً. كما يسلط انخفاض نمو إنتاجية العمالة الضوء على الكفاءات الإدارية التي تدير القطاع الخاص, وكذلك على الأساليب الإدارية المتبعة. وقد يكون تدني نمو الإنتاجية دليلاً على انخفاض قدرة كفاءات القطاع الخاص الإدارية في استغلال المتغيرات الإيجابية, وذلك لرفع مستويات الإنتاجية. وتركز الأساليب الإدارية في كثير من المنشآت الخاصة على خفض تكاليف استخدام العمالة حتى لو أدى هذا إلى تراجع أكبر في الإنتاجية. وعلى العموم فإن سهولة استقدام العمالة وانخفاض أجورها أسهما في جعل الاقتصاد يستمر في اعتماده المتواصل على العمالة ورفع كثافة استخدامها في المنشآت الاقتصادية، ما أدى إلى انخفاض مستويات تعويض العمالة. وشهدت دولة مثل سنغافورة تراجعاً قوياً في إنتاجية العمالة العام الماضي على الرغم من تراجع أسعار الطاقة، ويضع كثير من المراقبين اللوم على سياسة الحكومة السنغافورية التي حررت تدفق العمالة الرخيصة ما خفض من مستويات الإنتاجية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية