الأرقام المفزعة للحوادث المرورية والوفيات الناتجة عنها تجعلنا في المرتبة الأولى عربيا بل عالميا، فمنظمة الصحة العالمية ووفقا للتقارير الرسمية الميدانية تشير إلى أن نسبة الوفيات تصل إلى 49 وفاة لكل 100 ألف شخص، ومنح التقرير المملكة خمس نقاط من أصل عشر في فاعلية تطبيق حدود السرعة، بينما حصلت المملكة على خمس نقاط أيضا في إجراءات إلزام السائق بوضع حزام الأمان، ونقطتين فقط فيما يتعلق بتطبيق القوانين الخاصة بركوب الأطفال في السيارة.
أما تقاريرنا نحن فالإدارة العامة للمرور تقول إن المملكة شهدت 4.3 مليون حادث سير خلال الـ 19 عاما الماضية نتج عنها 86 ألف وفاة و611 ألف إصابة ولن نستطرد في ذكر باقي الأرقام المحبطة والتي تطرح سؤالا كبيرا حول الأسباب والدواعي إلى حدوث هذه الظاهرة في مجتمع تغيرت فيه ظروف المعيشة ونمط الحياة نحو الأفضل. ويبدو أن شعار أسبوع المرور لعام 2010 يعطي جزءا من الإجابة، حيث اتخذ الأسبوع شعاره تحت عنوان تحذيري وتوعوي أيضا وهو (احذر أخطاء الآخرين)، وهو يهدف إلى تنبيه العقلاء لأخطاء السفهاء وتعزيز الثقافة المرورية.
إن الحصيلة التراكمية لثقافتنا المرورية لا تبعث على القناعة بوجود عقلانية لدى أغلبية قائدي المركبات، فالأنانية سمة بارزة والتهور شجاعة مفرطة في كسر القانون والمغامرة في ارتكاب الأخطاء الفادحة جرأة على الأرواح والممتلكات ولم تعد التوعية أو الإرشاد يقوم بأي دور إيجابي سواء قامت به جهة رسمية أو تولاه الآباء في الأسرة التي تنتظر بفارغ الصبر عودة كل فرد منها سالما إلى بيته في ظل فوضى في قيادة المركبات لا يحد منها أي عامل ردع سوى حصول حادث لكل شخص غير واع يعيد إليه وعيه ورشده.
لقد فَعَّلت الإدارة العامة للمرور برنامجا آليا يعمل بكفاءة عالية لتخفيض عدد الحوادث المرورية إيمانا منها بأن المشكلة وصلت حدا يتطلب وجود آلية عملية تحقق تقويم السلوك المعوج لشريحة كبيرة من قائدي المركبات وخصوصا من جيل الشباب الذين يندفعون كل يوم بسياراتهم في تموج لا يعرف استقامة الطريق، فضلا عن استقامة الأخلاق ومراعاة حقوق المشاركين لهم في الطريق، أما حماية الأرواح فهي في نظر بعضهم مسألة قضاء وقدر تحصل حتى وإن التزموا القيادة الواعية وهي في الواقع ليست كذلك، فالإسلام ينهى عن إلقاء النفس في التهلكة ويأمر بالأخذ بالأسباب. بل إن ثقافتنا الدينية الصحيحة تؤمن بالأسباب المادية فلكل شيء سبب ولكل حادث مسؤول عنه.
إن الغرامة المالية عقوبة على المخالف ولكن يجب عدم الاسترسال فيها متى بلغت المخالفات للسائق رقما يفهم منه استحالة تعديل سلوكه، إذ يجب هنا الانتقال إلى وسيلة أكثر ردعا ولن يتحقق ذلك بتدوين المخالفة ثم إلغائها متى تم سدادها لأن المتهورين سيراهنون على فرص النجاة من تدوين المخالفات ضدهم وسيتعلمون مع الوقت كيفية تفادي أجهزة ''ساهر'' ومعرفة مواقعها وكشف وسائل استخدامها.
ولعل الإدارة العامة للمرور تقوم بوضع بدائل أكثر صرامة لتغيير السلوك العام لقائدي المركبات وذلك من خلال دراسة ميدانية وقانونية تضع في الحسبان الغاية المنشودة وهي الحفاظ على الأرواح، وهي أغلى ما يملكه الإنسان والأسرة والوطن، فالكثافة السكانية تتزايد والمدن والمحافظات تتوسع وأعداد المركبات في زيادة مطردة وليس هناك تناسب طردي إيجابي مع كل هذه المعطيات، فالنتائج عكسية تصاعدية وهي أكثر تكلفة على معيشتنا وأكثر إيلاما للنفوس المفجوعة بموت قريب أو صديق. وإلى أن يتغير سلوكنا العام نتمنى لـ ''ساهر'' أن يحقق الغاية منه ليكون تجربة نستفيد منها في تصحيح تعاملنا مع المركبة والطريق.
