الخميس, 8 أكتوبر 2026|25 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

منذ أيامٍ قليلة، احتفلت الشراكة القائمة بين مكتبنا (مكتب الدكتور سعود العماري للمحاماة) وشركة ''بليك وكاسلز وجريدون''، ذات المسؤولية المحدودة، وهي واحدة من أشهر شركات المحاماة الكندية الدولية التي تنتشر أعمالها في عديد من مدن العالم الرئيسة، وتُعرف اختصاراً باسم ''بليكس''، احتفلت هذه الشراكة بافتتاح مكتبها الحادي عشر في المنامة بمملكة البحرين ومكتبها الثاني عشر في الخبر في المملكة العربية السعودية.

وأثناء هذه الاحتفالات، نشرنا الدراسة التي كنا قد كلفنا مؤسسة ''ميرجرماركت''، الذراع البحثية لمؤسسة فاينانشال تايمز اللندنية المرموقة، بإجرائها للتعرف إلى مؤشرات النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2010م وما بعده.

وقد كانت صحيفة الاقتصادية سباقةً إلى نشر ملخصٍ يستعرض عدداً من النتائج المهمة التي انطوت عليها الدراسة، وذلك في عددها الصادر يوم الإثنين 19 جمادى الأولى 1431هـ، الموافق 3 أيار (مايو) 2010م. غير أنني رأيت أن الدراسة اشتملت على جزءٍ حيويٍ ومهمٍ عن المشروعات المشتركة في دول مجلس التعاون الخليجي، لذلك أحببت أن ألقي الضوء على هذا الجزء، تحديداً، لما أرى فيه من الفائدة.

بداية، رأت الدراسة أن التنمية الاقتصادية كانت متسارعةً، في دول مجلس التعاون الخليجي، خلال السنوات القليلة الماضية، على الرغم مما شهده الاقتصاد العالمي من تباطؤ. ولهذا، فمن المتوقع أن تكون المنطقة رائدة بين الأسواق الناشئة. ومع توجهٍ واضح نحو تطوير قطاعات معينة؛ مثل قطاعي البنية التحتية والاتصالات، فهناك فرص واعدةٌ للمستثمرين المواطنين والأجانب. وبشكلٍ خاص، أبرزت نتائج هذه الدراسة وجود علاقةٍ مثمرة لكلا الطرفين؛ بين دول مجلس التعاون الخليجي وأسواق أخرى متنامية مثل الصين والهند. وقد أبرزت النظرة الفاحصة التي ألقتها الدراسة على المشروعات المشتركة القائمة فعلاً، وعلى المنظور المستقبلي لمثل هذه المشروعات، الدور المتزايد الأهمية الذي يضطلع به المستثمرون المواطنون والأجانب في مختلف القطاعات. ولعلي أتحدث هنا عن أهم ثلاثة قطاعات برزت أثناء إجراء الدراسة، وهي قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات.

قطاع الطاقة

بإلقاء نظرةٍ على قطاع الطاقة، يظهر لنا أن العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي والبلدان الآسيوية تتجلى في أوضح صورها في العلاقة مع الصين؛ حيث إنّ الصين أصبحت تعتمد بشكل متزايد على واردات النفط الخام من المملكة العربية السعودية. وفي إطار المشروعات المشتركة في هذا الميدان، رأينا شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية)، التي بدأت مشروعها المشترك، في إقليم فوجيان، مع شركة إكسون موبيل وشركة النفط والكيميائيات الصينية (ساينوبك) في عام 2007م، تواصل تقدمها في الصين. وإضافة إلى مشروعات أرامكو السعودية المشتركة القائمة فعلاً داخل المملكة؛ مثل مصفاة ساسرف مع شل، ومصفاة سامرف مع إكسون موبيل، ومجمع بترورابغ مع سوميتومو، فإن لديها مشروعاتٍ مشتركةً ضخمةً أخرى، في مراحل مختلفة، مثل مشروعها المشترك مع شركة داو كيميكال الذي يهدف إلى تأسيس أكبر مجمعٍ للبتروكيميائيات في العالم، استفادة من إمكانات مصفاة رأس تنورة، بتكلفة تراوح بين 18 و20 مليار دولار. ومشروعها المشترك مع شركة توتال لإنشاء مصفاة في الجبيل، على ساحل الخليج، بتكلفةٍ تقدر بما يقل قليلاً عن عشرة مليارات دولار. ومشروعها الآخر لإنشاء مصفاة تصديرٍ في ينبع، على ساحل البحر الأحمر، بتكلفةٍ تبلغ نحو عشرة مليارات دولار. وجميع هذه المشروعات تهدف، في المقام الأول، إلى تعزيز قدرة المملكة وأرامكو السعودية على تلبية الطلب المتنامي القادم من الأسواق الآسيوية.

وفي حين لا يجادل أحدٌ على ريادة المملكة العربية السعودية في مجال الصناعة النفطية، باعتبارها مورداً رئيساً للنفط، فإن لدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى حصتها المتميزة من المشروعات المشتركة المهمة مع مؤسسات صينية، أُطلقت استجابة للطلب المتزايد على الطاقة ففي شهر أيار (مايو) من عام 2009م، دخلت مؤسسة البترول الكويتية في مشروعٍ مشترك مع شركة ساينوبك الصينية، وشركة رويال داتش شل، وشركة داو كيميكال، لتطوير مصنع بتروكيميائيات في مقاطعة غوانغدونغ في الصين. وسوف تحصل ساينوبك على حصة مقدارها 50 في المائة من المشروع، فيما تحصل مؤسسة البترول الكويتية على 30 في المائة على التوالي، وقد وافق الطرفان على أن يستثمرا نحو تسعة مليارات دولار في المشروع. وسوف تمكن هذه الصفقة مؤسسة البترول الكويتية وشركة ساينوبك من توسيع أعمالهما في مجال البتروكيميائيات في الصين، التي أثبتت أنها واحدة من أهم الدول المستوردة للنفط.

وعلى الرغم من أن النفط، كما هو معروفٌ، يسيطر، في الغالب، على النشاط الاستثماري العام لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن هناك تركيزاً متزايداً على تطوير مصادر بديلة للطاقة في المنطقة. وقد كان المتنافسون الآسيويون في طليعة هذا التوجه ففي شهر آذار (مارس) من عام 2010م، أعلنت شركة ''ملك القابضة'' التي تتخذ من دولة الإمارات العربيّة المتّحدة مقراً لها، مشروعها المشترك مع شركة ''ملك للطاقة المتجددة'' وشركة ''أديتيا سولار باور إنداستريز'' في الهند، لإنشاء أول مشروع للطاقة الشمسية في دولة الإمارات.

قطاع البنية التحتية

بقي المستثمرون الآسيويون على قربٍ شديدٍ من فرص الاستثمار المتاحة في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث شهدنا انطلاقهم في مجموعة واسعة من مشروعات البنية التحتية الضخمة. وفي الوقت الراهن فإن كثيراً من هذه المشروعات هي في مجال البنية التحتية للنقل، حيث برزت الصين وكوريا كرائدتين في تقديم العروض لتمويل وتشغيل هذه المشروعات الطويلة الأمد.

ويجري الآن تطوير مشروعين هما: مشروع مترو أبو ظبي الذي تقدر تكلفته بنحو سبعة مليارات دولار، ويتوقع أن يُنجز في عام 2015م، ومشروع تطوير خط السكك الحديدية الخليجي، الذي تقدر تكلفته بنحو 60 مليار دولار، ويهدف إلى ربط جميع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي بخط سكة حديدية واحد، ومن المتوقع أن يتم إنجازه في عام 2016م. وتقوم كلّ من هيئة شبكة السكك الحديدية الكورية وشركة السكك الحديدية الكورية بتشكيل تحالفٍ لتقديم عرض يتعلق ببناء المشروعين وتشغيلهما. ولا شك أن لدى كوريا، وهي رائدة عالميةً في مجال المشروعات العملاقة، كثيرا من التقنيات والخبرات التي يمكن أن تقدمها في مجال تطوير مشروعات البنية التحتية المتنوعة في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي.

وعلى الرغم من الاهتمام الناتج عن النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي، يقوم المستثمرون، كذلك، بدراسة المخاطر المالية المرافقة لكثير من هذه المبادرات، وذلك بعد الزخم الإعلامي الذي صحب الصعوبات المالية التي شهدتها مؤسسات إمارة دبي الاستثمارية، التي كادت أن تتسبب في وقف كثير من المشروعات الواعدة في تلك الإمارة. إلاّ أنّه يبدو أن هذا الانطباع السلبي لم يؤثّر في أجزاء أخرى من الخليج فقد كانت كل من الصين وكوريا، على سبيل المثال، من بين أبرز مقدمي العروض لمشروع ميناء الدوحة الجديد في قطر، الذي قدرت تكاليفه بنحو أربعة مليارات ونصف مليار دولار، الذي يعتقد أنه استفاد كثيراً من تحالفٍ تقوده شركة هيونداي للهندسة والإنشاء، وتحالفٍ آخر كونته شركة ''شاينا هاربر'' ومقرها الصين. وفي الوقت نفسه، وبهدف دعم مشروعات البنية التحتية في الصين نفسها، تقوم ''شركة حكومة الصين للإنشاءات الدولية'' بدراسة فرصٍ لتأسيس مشروعاتٍ مشتركة في دول مجلس التعاون الخليجي، مع النظر إلى الإمارات العربيّة المتّحدة كواحدةٍ من الأسواق التي يمكن العثور فيها على الشركاء المناسبين.

من جانبٍ آخر يبرز المستثمرون الآسيويون كشركاء رئيسيين في مجالات الأعمال التي تدعم تطوير البنية التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي، مثل مجال الإنشاءات. في هذا الصدد، وُقِّع، في عام 2009م، اتفاقٌ من شأنه إنشاء أول مصنعٍ في الشرق الأوسط يوفر مجموعة متكاملة من الدعامات والأجزاء الهيكلية الفولاذية؛ حيث قامت إحدى الشركات في البحرين، تعمل في مجال الاستثمار في صناعة الفولاذ، وهي شركة الخليج المتحدة القابضة للصلب، بالدخول في مشروع مشترك مع شركة ''ياماتو كوجيو'' اليابانية، لإنشاء الشركة المتحدة للصلب (صلب). وستكون هذه الشراكة انطلاقةً لمشروعٍ لتصنيع الصلب في البحرين تقدر تكلفته ببليون ومائتي مليون دولار. وسيؤدي إلى إبرام عقودٍ مع تحالفٍ يضمّ شركتي ''كوبي ستيل'' في اليابان، و''ميدركس'' في الولايات المتّحدة الأميركيّة، وتحالفٍ آخر يضمّ ''أس أم أس مير'' و''أس أم أس كونكاست'' في ألمانيا وشركة ''سامسونج للهندسة'' في كوريا الجنوبية.

قطاع الاتصالات

مع سعي دول مجلس التعاون الخليجي لإرساء قواعد نموها الاقتصادي من خلال مجموعة من مشروعات البنية التحتية؛ كمشروعات السكك الحديدية والموانئ ومجموعة أخرى متنوعة من المشروعات، فقد كان من الطبيعي أن يشهد قطاع الاتصالات في المنطقة تطوراً سريعاً تمثل في تحسن خدماته اللاسلكية، وسعيه لخدمة أعدادٍ متنامية بشكلٍ مستمرٍ من العملاء. وإضافة إلى التوسع في السوق المحلية، برزت الدول الآسيوية كأسواقٍ واعدةٍ رئيسة لعمليات الاستحواذ التي سعت إليها شركات الاتصالات الكبرى في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بما تقدمه هذه الأسواق من أصولٍ مربحة وفرص ترخيص جذابة لهذه الشركات.

ولكن اهتمام شركات الاتصالات في دول مجلس التعاون الخليجي بمجال الاتصالات في آسيا ليس بالأمر الجديد فمنذ عام 2007م، دخلت شركة الاتّصالات العملاقة في الإمارات العربية المتحدة، ''اتصالات''، أسواق الهند وإندونيسيا وسريلانكا والسودان من خلال عمليات استحواذ. وفي عام 2010م، دخلت شركة ''اتصالات'' في شراكة مع الشركة الكورية الجنوبية للاتصالات لتقديم خدمة الإنترنت محلياً. ومع هذه الصفقة، تبلورت لدى ''اتصالات'' خطط طموحة لاستثمار سبعة مليارات ومائتي مليون دولار للحصول على تراخيص جديدة ودعم نمو شبكاتها للهواتف المتنقلة في الخارج. ومن جانبٍ آخر، تواصل شركة الاتصالات السعودية عمليات استحواذٍ في آسيا، تركز فيها، في المقام الأول، على الحصول على حصة السيطرة في الشركات التي استثمرت فيها بالفعل. وتشمل هذه الشركات أكبر مشغّل للهاتف المتنقل في ماليزيا، وهي شركة ''ماكسيز للاتصالات''، حيث تملك شركة الاتصالات السعودية حالياً، نسبة 25 في المائة منها.

وفي الهند، تقدم واحدة من أهم منافسات المزايدة في مجال الاتصالات مثالاً واضحاً على أهمية السوق الآسيوية بالنسبة لشركات دول مجلس التعاون الخليجي ففي شهر نيسان (أبريل) من عام 2010م، أعلنت الحكومة الهندية مزايدة على مجموعة من تراخيص الهاتف المتنقل التي تعمل بتقنيّة الجيل الثالث. ومن المتوقع أن تجتذب هذه المزايدة عروضاً تصل إلى ثمانية مليارات دولار. وتُعد ''فيديوكون للاتصالات''، التي تملك جزءاً منها شركة البحرين للاتصالات، والفرع الهندي لشركة ''اتصالات'' الإماراتية، في مقدمة المتنافسين في الحصول على بعض هذه التراخيص. ومن جانبٍ آخر، توضح هذه المزايدة تصاعد حدة المنافسة بين شركات الاتّصالات في كلّ من آسيا ودول مجلس التعاون الخليجي، لأنها تعكس تنافسها في اجتذاب مشتركين ومستخدمين جدد للهواتف المتنقلة.

خلاصة القول إن النشاط الاستثماري بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا، في السنوات الأخيرة، يكشف عن تعزز وتزايد قوة الارتباط الاقتصادي والاعتماد المتبادل بين المنطقتين، بشكل يرتكز جوهرياً على الطلب المتزايد على الطاقة والسعي الجاد نحو التطوير والتحديث.

والواقع أنه على الرغم من أن الاستثمار الخارجي لدول مجلس التعاون الخليجي ينبع، عادة، من الصناعة النفطية، فإن حجم المشروعات المشتركة وعمليات الاندماج والاستحواذ، التي تمت في القطاعات غير النفطية، وشملت دولاً آسيوية، خلال عام 2009م، عكس الأهمية المتزايدة لهذه الأسواق. ومن المتوقع، في السنوات القادمة، أن تطلق دول مجلس التعاون الخليجيّ ودول آسيا مزيدا من الاستثمارات الداخلية والخارجية على حد سواء.

وختاما يمكن الرجوع إلى الدراسة كاملة على موقع بليكس على الإنترنت: www.blakes.com

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية