لم تمض أيام قليلة على إطلاق نظام ساهر حتى بدأ عدد من الكتاب في انتقاد هذا النظام والتشكيك بفعاليته، بل السخرية منه، وكأنه يحمل عصا سحرية ستحول كل تراكمات الأخطاء التي ترسخت عبر سنين طويلة من الفوضى المرورية إلى انضباط يضرب به المثل، وتتحدث عنه الركبان.
فنظام ساهر الذي أطلقه المرور أخيرا لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم يعط الفرصة الكافية للنجاح، وأن تجري عملية تأهيل شاملة تطول نوعيات من السائقين ترسخت لديها ثقافة تتمثل في أن الفوضى أسهل وأسرع وسيلة للوصول إلى الهدف، وهي ثقافة لا تقتصر مع الأسف الشديد على قيادة السيارة، بل شملت مناحي كثيرة من حياتنا.
هذه الثقافة التي ترسخت بين السائقين، نجدها في ذلك الشاب الطائش الذي لا يرى لإشارة المرور أهمية، ولا يحمل لغيره من السائقين احتراما، ولا يعنيه أن التزامه بالنظام دليل على رقيه وشعوره بالمسؤولية تجاه نفسه أولاً، ثم تجاه وطنه، كما أن ثقافة الفوضى ترسخت لدى فئة كبيرة من العمالة الوافدة، بمن فيهم سائقو سيارات الأجرة العامة الذين يذرعون شوارع المدن دون ضابط يحدد متى يجولون في الشوارع، ومتى ينبغي لهم الانعطاف، وأين يتوقفون في رحلة السباق اليومية التي يقومون بها، ومن المؤسف أن كل محاولات تنظيم هذا القطاع فشلت، بسبب عرقلة من يرون أن ثقافة الفوضى أكثر ربحاً لهم، وإن كانت أكثر خسارة للمجتمع.
إن ما يحتاج إليه نظام ساهر وأي نظام آخر يطبق، هو أن نحول حملة تكسير المجاديف إلى حملة نصح ومساندة وتقويم، ويتم ذلك بالإشارة إلى مكامن الخلل التي جعلت من شوارع مدننا ميدان تعليم وتجارب، وجعلت حوادث السيارات في مدن بلادنا وما يتبعها من إصابات ووفيات واحدة من أعلى النسب على مستوى العالم.
نظام ساهر سيكون له ضحايا، وهم أولئك الذين لا يقيمون للنظام وزناً، ممن نشاهدهم في شوارعنا يمارسون لعبة الموت وبشكل يومي، عبر تجاوز إشارة المرور، وعبر عكس المسار، وعبر اعتلاء الأرصفة، بل عبر محاولتهم فرض نظام يهدد أمن وسلامة الأغلبية التي تسعى إلى أن تسير في الشوارع وهي تشعر بالأمن، وأن تصل إلى جهتها بسلام.
وتشدد إدارة المرور بتطبيق العقوبات على المخالفين، هدفه تقويم اعوجاج طالما عاناه المجتمع، وهو اعوجاج بعضه صناعة محلية، وجزء كبير منه مستورد، والتساهل في تطبيق هذا النظام سيكون أول أسباب فشله.
إن ما يحتاج إليه نظام ساهر هو أن يركز على ما فيه حماية الآخرين، فمعاقبة من يتجاوز الإشارة أو يعكس المسار أو يقود بسرعة عالية، مقدمة على البحث عمن لم يلتزم بتطبيق حزام الأمان مثلا، فالناس حديثة عهد بحزم، أما ما يظهر من محاولات لتبرير الخطأ والدفاع عن المخطئ والدعوة إلى الرأفة به، وهي نغمة ستتصاعد مع ارتفاع حجم المخالفات، فهؤلاء لم يجربوا فقد عزيز، بسبب سائق متهور.
أخيراً أتمنى من إدارة المرور أن تسعى إلى نشر فتوى سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، بحرمة قطع الإشارة عمداً، وأن من تجاوزها وتسبب في قتل أحد فإنه يكون قاتلا شبه عمد، فكثير من السائقين لم يطلعوا على الفتوى التي فيها ردع لمن يستهين بهذا الأمر.
