الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

تايلاند تعيش مرحلة الإنكار

سِن مينغ شو
الثلاثاء 27 أبريل 2010 3:7

أصبح النسيج السياسي والاجتماعي في تايلاند مهترئا. والواقع أن مستقبل البلاد يبدو متداعياً إلى حد لم يسبق للبلاد أن بلغته في أي وقت مضى.

في أي نظام آخر تحكمه الديمقراطية، تشكل الطبقة المتوسطة الغراء الذي يربط بين أجزاء المجتمع. أما في تايلاند فإن الوضع مقلوب، حيث لا تشكل الطبقة البرجوازية التي تتركز أغلبية أهلها في بانكوك قوة اجتماعية وسياسية إلا بالكاد.

فبدلاً من ذلك، ولنصف قرن من الزمان، نشأ عقد اجتماعي غير معلن بين أربع مجموعات واسعة الانتشار في تايلاند: «القصر» ـ وهي كناية تستخدم هنا لتجنب انتهاك قوانين الخاصة الملكية الصارمة؛ والشركات التجارية الكبرى، التي تتولى القوامة على النمو الاقتصادي؛ والمؤسسة العسكرية، التي تعمل في المقام الأول والأخير على تأمين حُرمة القصر والقيم الأخلاقية التي يمثلها؛ وعامة الشعب، وأغلبيتهم من أهل الريف أو الفقراء في المناطق الحضرية، وهم الذين يتقبلون حكم المجموعات الثلاث الأخرى.

تزعم الأساطير الوطنية في تايلاند أنها بلد بوذي سعيد، فهي «أرض الابتسامات» التي يربط بين أهلها الوئام والتراحم في ظل النعم والبركات التي يسبغها القصر على الشعب وسخاء الشركات الكبرى. أما الفئات الأقل حظاً فهي سهلة الانقياد، راضية بالدور الخاضع الذي تلعبه في مقابل الرعاية الاجتماعية التي يوفرها لها أسيادها.

والواقع أن الفقراء والمؤسسة العسكرية يكنون للقصر تبجيلاً حقيقياً. ويركع العاملون في القصر والناس في المناطق الريفية لأفراد الحكومة الملكية، ليس احتراماً للبروتوكولات فحسب، بل أيضاً بدافع من الحب والاحترام الصادقين.

في عام 2009 صنفت مجلة فوربس الأسرة المالكة في تايلاند باعتبارها أكثر الأسر الملكية ثراء على مستوى العالم، وحددت صافي ثروتها بما يعادل 30 مليار دولار أمريكي ـ وهو الرقم الذي يعتبره أهل البلد أقل كثيراً من الرقم الحقيقي. وهذه الثروة الملكية تستلزم بالضرورة استثمارات كبيرة في الشركات التايلاندية الكبرى ومعها في قطاعات الاقتصاد كافة. وتكسب الشركات التايلاندية المتميزة كثيرا من اتصالها المباشر بالقصر ومن قربها منه على المستوى الاجتماعي. وطبقاً لتقديرات أحد أبناء هونج كونج ـ الذي تنتمي زوجته إلى إحدى الأسر العريقة في تايلاند ـ فإن 20 أسرة فقط تسيطر على أغلبية الأعمال التجارية في تايلاند.

وطبقاً للدستور التايلاندي فإن المؤسسة العسكرية تتبع القيادة المدنية للبلاد، لكنها في الواقع تدين بالولاء للقصر. وفي الأزمة الحالية أكد قادة الجيش للجماهير أنهم كارهون لاستخدام القوة، وهو الموقف الذي لم يكن لهم أن يقرروا اتخاذه.

ولا أحد يدري إلى متى يدوم هذا الخمول. الآن يعسكر الغوغاء، الذين يرتدون القمصان الحُمر التي ترمز إلى ولائهم لرئيس الوزراء السابق ثاكسين شيناواترا، في منطقتين تجاريتين رئيسيتين، الأمر الذي أصاب بالشلل جزءاً ضخماً من الاقتصاد المحلي. وهم يطالبون الحكومة بحل المجلس التشريعي الحالي على الفور، وإقالة رئيس الوزراء أبهيسيت فيجاجيفا لأنه لم يُنتخَب ولأنهم يعدونه واجهة للمجموعات الثرية التقليدية المناهضة لثاكسين.

ويعتقد كثيرون أن الأزمة الحالية ستمر، وأن تايلاند ستعود إلى الانسجام التاريخي بين المجموعات الأربع, لكن هذا النظرة تتجاهل الديناميكيات السياسية الجديدة في البلاد. فأولاً وقبل كل شيء، لا بد من أن ندرك أن الطبقات الأدنى في تايلاند قررت أن اللين أصبح شيئاً من الماضي. والواقع أن المنتمين إلى هذه الطبقات الدنيا يشعرون بالغضب والإحباط إزاء الوضع الراهن. وباستثناء الهبات التي كانوا يحصلون عليها أثناء حكم ثاكسين، فهم لم يستفيدوا إلا قليلاً من النمو الاقتصادي طوال العقود الثلاثة الماضية. بل إن الفجوة المتسعة بين الأثرياء في المناطق الحضرية وبقية فئات الشعب ازدادت اتساعاً على مر السنين، ولم تنتشر الثروات من الأغنياء إلى الفقراء كما زعم بعض المنظرين. حتى في المناطق التجارية والأحياء الراقية من بانكوك، أغنى مدينة في البلاد، فإن السير على القدمين لمسافة قصيرة يكشف عن أميال من الأرصفة المتصدعة، وأكوام من القمامة، وفئران تنطلق بحرية. وهذه المشاهدة المؤلمة تصاحبها روائح لاذعة كريهة من شبكة الصرف الصحي التي باتت تمثل مشكلة وليس حلاً للتخلص من الصرف الصحي، خاصة أثناء موسم الأمطار.

والواقع أن مشهد البنية الأساسية المادية المتهالكة، التي تتناثر عليها المراكز التسوق التجارية الحديثة التي تبيع العلامات العالمية بأسعار أعلى كثيراً من القدرة الشرائية لأغلبية المواطنين، ليس بالمشهد الذي قد تتوقعه في الاقتصاد الذي وصِف ذات يوم بأنه نمر آسيوي مرتقب. وهناك يقيم الأثرياء في بيوت مكيفة الهواء، ويستقلون سيارات يقودها سائقون خصوصيون، ويشترون احتياجاتهم من المراكز التجارية الفاخرة، ومن الواضح أنهم غافلون تماماً عن الحياة التي يعيشها بقية أهل البلاد. أما الأسر الفقيرة فإنها ترى عديدا من أبنائها يمتهنون ممارسة البغاء حتى يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة.

وينظر الفقراء إلى الانقلاب الذي أطاح بثاكسين عام 2006، ثم حل حزبه في وقت لاحق، باعتبارها انتقاماً من قِبَل أهل النخبة التقليدية الذين كانوا يريدون عودة الطرق القديمة، والذين يسعون إلى الحصول على ما يريدون بالقوة ما دام لم يعد في وسعهم الحصول عليه من خلال صناديق الاقتراع. والواقع أن هذه النظرة ليست خاطئة تماما. في أواخر عام 2008 قام الغوغاء المناهضون لثاكسين وهم يرتدون القمصان الصفراء تحت قيادة رجال أعمال بارزين باحتلال مطار سوفارنابومي الدولي في بانكوك ولم يتعرضوا لأي عقاب. وهم بذلك كانوا يسعون إلى إلغاء نتيجة الانتخابات العامة التي وصلت بموجبها القوات المؤيدة لثاكسين إلى السلطة، وذلك على الرغم من أن ثاكسين يعيش في المنفى خارج البلاد. والأصفر هو اللون الملكي في تايلاند، ومن المعتقد أن القصر كان متعاطفاً مع الغوغاء.

والآن يفعل الموالون لثاكسين - أصحاب القمصان الحمراء - الشيء نفسه، فيطالبون بالتغيير من خلال سلوك غوغائي. وهم يعتقدون أنهم أيضاً يحق لهم التصرف على هواهم والإفلات من العقاب. لا شك أن أصحاب القمصان الحمراء ليسوا غافلين عن فساد ثاكسين الشديد. لكنهم ينظرون إليها باعتباره أحد الساسة التايلانديين النادرين الذين كلفوا أنفسهم عناء الاتصال بالفقراء. فضلاً عن ذلك فقد عمل ثاكسين حين كان رئيساً للوزراء على توفير الخدمات المطلوبة بشدة للفئات المتدنية: فدعم الرعاية الطبية ويسر القروض الصغيرة على سبيل المثال لا الحصر. لكن القضية المسكوت عنها التي ترجع إليها الاضطرابات الحالية في تايلاند هي أن القصر بوصفه مركزاً للقوة الأخلاقية أصبح موضع تساؤل مع بلوغ الملك المريض عامه الـ 82. بل إن وزير خارجية تايلاند كاسيت بيرموي تحدث أخيرا عن الحاجة إلى إعادة النظر في قوانين الخاصة الملكية حتى يتمكن الحوار العام من تقييم الدور الذي يلعبه القصر في مستقبل تايلاند، كاسراً بذلك المحظورات التي حكمت البلاد لأعوام طويلة.

إن ما فعله ثاكسين من أجل الفقراء لم يتطلب سوى توافر المصلحة السياسية الذاتية. لكن حتى هذه الحكمة البدائية كانت غائبة عن النخبة الحاكمة التقليدية إلى الحد الذي جعلهم عاجزين عن التخلص من غطرستهم وقِصَر نظرهم. وإلى أن يحدث ذلك فإن مستقبل تايلاند الواعد سيستمر في التنائي والابتعاد عن متناول الناس.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية