الأربعاء, 7 أكتوبر 2026|24 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

غالبا ما يبحث مراقبو رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وعملية تكاملها الإقليمي عن نظائر تحليلية. فهل رابطة آسيان كيان نام يتخطى الحدود الوطنية، مثل الاتحاد الأوروبي؟ أم مجرد مجموعة فضفاضة؟ لا شك أن آسيان ليست دولة بدائية، ولكنها تقدمت لتصبح أكثر من مجرد جماعة غير رسمية، وذلك بفضل إقرار ميثاق رابطة دول جنوب شرق آسيا في الآونة الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الميثاق يشكل قواعد وهيكل رابطة آسيان، إلا أنه لا يشير إلى الطموحات التي تتجاوز الحدود الوطنية مثل معاهدة روما للاتحاد الأوروبي. ويمنح الميثاق الرابطة شخصية قانونية، ولكنها لا تملك السلطة القانونية على أعضائها. فالأمين العام للرابطة يتمتع برتبة وزارية ولكنه لا يستطيع فرض عقوبات على الأعضاء الذين لا يمتثلون لإجراءات الرابطة، ولا يستطيع أيضا أن يقدم الفوائد للأعضاء الذين يمتثلون لها. ولا يوفر الميثاق أيضا أي وسيلة لمواطني دول رابطة آسيان للجوء إلى تسوية المنازعات المتعلقة بإجراءات آسيان التي تؤثر فيهم.

وبدلا من ذلك، يمكن القول إن رابطة آسيان هي أشبه بمجموعة من الفرق الرياضية التي قررت التعاون معا ووضع قواعد مشتركة للعمل والتعاون. فالميثاق يحدد المبادئ الأساسية الجديدة للرياضة التي اكتسبت الصفة الرسمية، مع وجود عديد من الاتفاقات الفرعية التي تحدد القواعد التفصيلية للمسابقات. ووفقا لهذا التشبيه، يدير الأمين العام لرابطة آسيان مكتب اتحاد الفرق، حيث ينظم الاجتماعات وينسق الأنشطة، ولكنه لا يمتلك إلزام الأعضاء بالامتثال. وفي ''اتحاد الفرق'' هذا، لا يستطيع ''لاعبو'' الفريق (مواطنو دول آسيان) اللجوء لقواعد الاتحاد أو طلب المساعدة حين يتم انتهاك القواعد؛ فهذا الأمر من اختصاص إدارة كل فريق (حكومات آسيان).

وإذا كان بالإمكان مقارنة آسيان باتحاد فرق رياضية، يكون هدفها إذن هو تعزيز شعبيتها بين ''المعجبين'' المحتملين (المستثمرين). فالقواعد المعيارية والمحسنة والعمل تشجع المزيد من الاستثمار في آسيان، وليس في منافسين مثل الصين واليابان والاتحاد الأوروبي. وبالمثل، يشجع اللعب الأفضل والمباريات الحماسية المعجبين على مشاهدة الدوري الرياضي إما شخصيا أو من خلال التلفزيون أو الإنترنت.

والصعوبات في مثل هذه العملية، التي تظل فيها السيادة بيد إدارة الفرق الرياضية (حكومات آسيان) وليس ''مكتب اتحاد الفرق''، هي خارجية وداخلية بطبيعتها.

ففيما يتعلق بالمسائل الخارجية، تمكنت رابطة آسيان من العمل بطريقة موحدة. وفي المنتديات متعددة الأطراف، ينسق أعضاء آسيان، مع العضو من آسيان الذي يمثل البقية. فعلى سبيل المثال، تتحدث إندونيسيا باسم آسيان في مجموعة العشرين. وفي مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة، ينسق أعضاء آسيان جهودهم كمجموعة واحدة. وقد حدث هذا في عدد من اتفاقيات التجارة الحرة التي تفاوضت عليها آسيان ووقعتها مع الصين وكوريا والهند واليابان وأستراليا ونيوزلندا. وبالعودة إلى تشبيهها باتحاد الفرق الرياضية، تشبه جهود التنسيق هذه المفاوضات بين شبكات التلفزيون والفرق الرياضية للحصول على حقوق البث.

ولكن حين لا يلبي التنسيق بين أعضاء آسيان توقعات الآخرين، قد ينهار هذا الترتيب. وقد حدث هذا في محادثات اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ورابطة آسيان، التي تخلى عنها الاتحاد الأوروبي لصالح المفاوضات الثنائية مع أعضاء فرديين في آسيان مثل سنغافورة. وأشار الاتحاد الأوروبي إلى أن التطور المؤسسي غير كاف في آسيان كما يستلزم التحول. وإذا عدنا هنا أيضا إلى التشبيه بالفرق الرياضية، نجد أن هذا أشبه بانفصال الفرق الفردية عن لجان اتحاد الفرق لتعقد صفقات خاصة بها مع شبكات التلفزيون.

وفيما يتعلق بالمسائل الداخلية، فإن الافتقار إلى السلطة اللازمة لفرض عقوبات أو توفير مكافآت يحد من فعالية آسيان. وبدلا من استخدام إجراءات تسوية النزاعات الحالية لرابطة آسيان، يستخدم أعضاء الرابطة المنتديات البديلة الأكثر رسوخا. فقد تمت إحالة الخلافات التجارية بين ماليزيا وسنغافورة، وبين تايلاند والفلبين، إلى منظمة التجارة العالمية. وتم إحالة النزاعات على الأراضي بين ماليزيا وسنغافورة، وبين إندونيسيا وماليزيا، إلى محكمة العدل الدولية. وعند تطبيق تشبيه الرابطة باتحاد فرق رياضية، فإن مثل هذه الأحداث تشبه لجوء الفرق الرياضية إلى التقاضي عن طريق المحاكم بدلا من اللجوء إلى إجراءات الاتحاد لتسوية النزاع.

وقد يؤدي الدور المحدود لمواطني دول آسيان أيضا في عمل مؤسسات آسيان إلى الإحباط. فقد كانت الانتقادات العلنية هذا العام لاتفاقية التجارة الحرة بين الصين ورابطة آسيان والتي وجهتها الصناعات في إندونيسيا وماليزيا والفلبين، ناتجة إلى حد كبير عن فشل آسيان في إشراك القطاع الخاص خلال المفاوضات على الاتفاقية وخلال مرحلة تنفيذها.

ويعبّر المستثمرون أيضا في الكثير من الأحيان عن إحباطهم بسبب عدم قدرتهم على اللجوء مباشرة إلى تسوية النزاعات واضطرارهم إلى الاعتماد على حكوماتهم الوطنية لفعل ذلك. وترفض الحكومات الوطنية غالبا متابعة تسوية النزاعات لأسباب دبلوماسية أو سياسية أخرى. وفي إطار تشبيه الرابطة باتحاد الفرق، يشبه هذا اضطرار اللاعبين إلى الاعتماد فقط على إدارة فريقهم لحل النزاعات المتعلقة بالرواتب والقواعد. ولكن في رابطة آسيان وفي اتحادات الفرق الرياضية أيضا، هناك ملاذ أمام المشاركين الساخطين: يستطيع اللاعبون الذهاب إلى فريق آخر يدفع رواتب أعلى بظروف عمل أفضل (ويمكن أن يشاهد المعجبون فريقاً آخر) ويمكن للمستثمرين التخلي عن آسيان لصالح أماكن أكثر جاذبية.

وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات، هناك دلائل كثيرة تشير إلى أن مؤسسات آسيان تدرك القيود المفروضة عليها وتحاول الالتفاف عليها. فقد بذل، Surin Pitsuwan، الأمين العام لرابطة آسيان جهودا مضنية لتوسيع نطاق الصلاحيات المعنوية والمقنعة لمكتبه، حيث سد الثغرات بين الميثاق وسلطته القانونية. وقام هو والأمانة العامة لرابطة آسيان بزيادة جهود توعية القطاع الخاص وزيادة مشاركته.

ويجب تشجيع هذه الجهود ودعمها. ولكن ينبغي على الدول الأعضاء في رابطة آسيان الذهاب إلى أبعد من هذا والتفكير بتشارك أو منح بعض الصلاحيات السيادية للأمانة العامة ومؤسسات آسيان الأخرى. ويجب أن تنظر الدول الأعضاء في آسيان أيضا في احتمالية السماح لمواطني آسيان باللجوء إلى تسوية النزاعات وزيادة مشاركتهم في عمليات مؤسسات آسيان، خاصة تلك المتعلقة بالتكامل الاقتصادي.

إن تجارب الفرق الرياضية الحقيقية مفيدة. ففي أنجح بطولات الدوري، مثل الدوري الإنجليزي، بدأت مكاتب الدوري دون صلاحيات أو كانت صلاحياتها محدودة، وكانت حقوق المساومة التي يملكها اللاعبون معدومة أو ضئيلة. إلا أن الفرق تعلمت أن إسناد صلاحية التفاوض لمكاتب الدوري زاد المبالغ التي تدفعها شبكات التلفزيون. فمكتب الدوري القوي الذي يملك صلاحيات تأديبية على كل من الفرق واللاعبين يحسن أيضا نوعية اللعب. وانضم لاعبون آخرون إلى الفرق بسبب ظروف العمل الأفضل وتحسن اللعب ووجود لاعبين أقوى. وأدى وجود لاعبين أفضل وتكتيكات لعب أكثر تطورا إلى زيادة عدد المعجبين.

وخلال مراحل تطور الاتحادات الرياضية، احتفظت الفرق بسيادتها. فيمكنها دائما الانسحاب للانضمام إلى اتحاد آخر أو التفاوض على حقوقها التسويقية أو حقوق البث. وتفعل بعض الفرق هذا. ولكن في الاتحادات الناجحة، تفهم الفرق الرياضية أنه عن طريق تقاسم السيادة وتجميعها، يصبح الاتحاد أكثر جاذبية في نظر اللاعبين والمعجبين. وإذا تعلمت رابطة آسيان دروساً مماثلة وطبقتها، قد تصبح هي أيضا ناجحة في تنافسها للحصول على الاستثمار الأجنبي والتجارة.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: Opinion Asia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية