تبدأ غدا الثلاثاء مرحلة العد الفعلي للتعداد العام للسكان والمساكن للعام الجاري، حيث جند نحو 45 ألف عداد على مستوى المملكة تم تدريبهم وتأهيلهم للقيام بمهمة التعداد في نحو 300 مركز تدريبي على مستوى المملكة. ويعد التعداد العام للسكان والمساكن من أهم مصادر الإحصاءات السكانية، ويهدف إلى جمع ونشر المعلومات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية للسكان، بهدف توفير متطلبات الدولة واحتياجات المخططين والباحثين في القطاعين العام والخاص من البيانات الأساسية عن السكان والمساكن التي تتطلبها خطط التنمية، كما يهدف إلى توفير إطار حديث لجميع الأبحاث الإحصائية المتخصصة التي تجرى بأسلوب العينة، وكذلك إلى إيجاد قاعدة عريضة من البيانات واستخدامها كأساس موثوق به في إجراء الدراسات والبحوث التي تتطلبها برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.
وأخذت الإحصاءات والمسوحات الميدانية لأغراض التنمية والتخطيط الاقتصادي تزداد أهمية سنة بعد أخرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. واكتسبت زخما كبيرا مع زيادة فاعلية دور منظمات الأمم المتحدة وأقسامها الاقتصادية التي ما برحت تقدم يد المساعدة والتشجيع لجميع دول العالم لإجراء جميع الإحصاءات العامة. وما من شك أن التقدم التقني المذهل الذي نعاصره في مجال الحواسيب والبرمجيات الإحصائية ساعد على تطوير وتسهيل عمل هذه الإحصاءات من أجل جمع البيانات والمعلومات المطلوبة عن مختلف فئات السكان وقطاعات الاقتصاد. فما من دراسة تجرى اليوم في مجال التخطيط الاقتصادي أو بناء التوقعات الاقتصادية سواء كان ذلك على مستوى المشروع الخاص أو العام، إلا كانت الإحصاءات متطلبا أوليا ضروريا لها. فهي السبيل إلى توفير البيانات والمعلومات التفصيلية الدقيقة عن جميع المتغيرات محل البحث والتقدير. لقد غدت الإحصاءات القائمة على الأساليب العلمية والمنطقية وسيلة لا غنى عنها عند اتخاذ مختلف القرارات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولا تقتصر الاستفادة من نتائج هذه الإحصاءات على القطاعات الحكومية، بل تجد فيها مؤسسات القطاع الخاص ثروة ثمينة تساعدها على فهم الواقع الذي تعمل فيه وتفكيكه بكل تعقيداته المتشابكة، وهي بذلك تساعد صناع القرار في القطاع الخاص على حماية مؤسساتهم من اتخاذ قرارات خاطئة ومكلفة. ولا تقتصر هذه الاستفادة على الحاضر، بل إنها تساعدهم في الوقت ذاته على تبني خطط وسياسات سليمة عند بناء استراتيجياتها المستقبلية وبناء توقعاتها وتحديد الاتجاهات التي تسير فيها الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية والعقارية والتعليمية والصحية ونحوها. وما يميز التعداد الحالي أنه تعداد خليجي موحد بين جميع دول المجلس، وذلك إدراكا منها بأهمية النتائج المتوقعة من التعداد في رسم السياسات التنموية، الرامية إلى النهوض بالمجتمع الخليجي، وتحقيقا للتكامل الإحصائي بين دول المجلس وتوحيدا للإجراءات وتوفيرا للنفقات.
لقد سبق أن قامت مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، بصفتها الجهة المعنية بتنفيذ التعداد حسبما ورد في نظام تعداد السكان العام الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/13 وتاريخ 23/4/1391هـ، بتنفيذ التعداد العام للسكان والمساكن 1413هـ وكذلك التعداد العام للسكان والمساكن 1425هـ. وهي اليوم تقوم بتحديث بياناتها من خلال تعداد عام 1431هـ، ولذلك فنحن مدعوون اليوم - مواطنين ومقيمين – إلى مساعدة القائمين على هذا التعداد بحسن استقبالهم ومد يد العون لهم وتسهيل مهامهم من أجل المصلحة العامة.
ونادى على الدوام كثير من المهتمين والمتخصصين بإتاحة نتائج هذا التعداد وحصيلته الثمينة من المعلومات والإحصائيات، وجعلها في متناول جميع الجهات والباحثين، من أجل تحقيق الاستفادة القصوى من هذا الكم الهائل من المعلومات التي ستوفرها هذه الإحصاءات في جميع مناحي الحياة والأنشطة. كما ناشد بعض كُتّاب ''الاقتصادية'' مثل الدكتور عبد العزيز الخضيري تفعيل مركز الدراسات الاستراتيجية أسوة بكثير من الدول التي يقوم فيها مثل هذا المركز برسم السياسات العامة للدولة الداخلية والخارجية، وتحديد أولويات التنمية، ووضع الرؤية الوطنية لجميع برامج التنمية في مناطق بلادنا كافة بدلاً من الاعتماد على المقترحات والرؤى الشخصية وردود الأفعال لحوادث بسيطة, فبهذا المنهج يمكن أن ننتقل بجهودنا من جهود فردية تبدأ وتنتهي بالفرد إلى بناء مؤسسي متكامل بين جميع الجهات والشركاء في القطاع العام والخاص والأهلي.
إن بقاء هذه المعلومات والإحصاءات رهن الأدراج أو أجهزة الحاسب الآلي أو الاستفادة الفردية منها سواء من القطاعات الحكومية أو الباحثين لن يجعلها مفيدة بالشكل الذي يمكن أن يعطي الخير للبلد بشكل عام، لذا فإن الأمر يتطلب الاستفادة منها وتوجيه القرارات التنموية في ضوئها من خلال مثل هذا المركز المتخصص والمهم وبهذا يكون دور جميع الأجهزة هو رسم سياساتها وتفعيلها وتنفيذها في ضوء ما يرسمه ويحدده ويتابعه المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية.
نحن مع القائمين على التعداد قلبا وقالبا، فأعانهم الله وسدد خطاهم.
