الأربعاء, 7 أكتوبر 2026|24 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تكتسب كتب السيرة الذاتية أهميتها من قيمة صاحبها أولا.. فلو كتب واحد من آحاد الناس وليس «طه حسين» «الأيام» لما قرأها أحد أو اهتم بها أحد.. كذلك «حياتي» «لأحمد أمين» و»أوراق العمر» «للويس عوض» و»ماذا علمتني الحياة» «لجلال أمين».. وغيرها من الكتب وغيرهم من الكتاب.. وقد ضربت الأمثلة من المعاصرين للإيجاز، ولم أكتب عن كتاب الغرب وما أكثرهم للاختصار.

ثم تكتسب هذه الكتب «السيرة الذاتية» أهميتها ثانيا من علاقتها بالحياة العامة في مرحلتها الزمنية والمكانية أيضا.. ثم تكتسب أهميتها ثالثا من قدرتها على ربط السيرة الشخصية بسيرة أو مسيرة الوطن، ومدى تأثيرها وتأثرها بحياة الناس.. ثم تكتسب أهميتها رابعا من صدق الراوي والرواية دون جنوح إلى الخيال والتأليف.. ثم تكتسب أهميتها أيضا من قدرة صاحبها على الإفصاح بلغة مستقيمة ممتعة خالية من الأخطاء.

فهل تنطبق هذه الشروط على تجربة حياة أو السيرة الشخصية «لعبد العزيز عبد الله السالم» والإجابة نعم عشر مرات.. فصاحبها رجل مهم عاش تجربة حياة حافلة، وارتبط دائما بقضايا الوطن مؤثرا ومتأثرا، ثم هو يتذكر ما وعته الذاكرة من هذه التجربة متحريا الصدق كل الصدق فيما يروي، ثم هو يكتب كل ذلك في لغة سلسة وراقية وصحيحة في وقت واحد. وكما فعل «عباس العقاد» في عبقرياته عن أعلام الإسلام فحاول أن يبحث عن مفتاح الشخصية التي يؤرخ لها، «فالعقاد» يرى أن لكل شخصية مفتاحا إذا عثرنا عليه استطعنا أن نفهم ونقرر تصرفاته في حياته كلها. هكذا فعل «العقاد» في عبقرية «محمد» وعبقرية «الصديق»، وعبقرية «عمر» وغيرهم من الشخصيات التي تأثرت وأثرت في تاريخ الإسلام وتاريخ العالم.

ومفتاح شخصية «عبد العزيز عبد الله السالم» هو المثالية.. مثالية الهدف ومتوسطية المنهج فهو مثالي يسعى إلى الكمال (والكمال لله وحده) ترى ذلك كله منذ بداية حياته أو طفولته، فهو يسعى إلى النجاح والكمال حتى وهو طالب في المدرسة الابتدائية، وقد دخل مدرستين وتركهما حفاظا على كرامته، ثم هو يسعى إلى استكمال تعليمه حتى يصل إلى الجامعة ويحصل على إجازتها، ثم هو يريد استكمال رسالته في الماجستير والدكتوراه وتحول الظروف دون ذلك.. وهو في ذلك ينهج منهجا وسطا بين واجبات دراسته وواجباته العائلية، فهو لا يتطرف في الاتجاه إلى استكمال أدوات حياته.. ولا يتطرف في روابطه العائلية.. وبينما هو مرتبط ارتباطا وثيقا بتقاليد وطنه، متمسكا بقيم ومبادئ الإسلام، فهو يقبل بما أحدثته الحضارة الغربية في حياتنا من تسهيلات الطائرة والسيارة والتلفون والتلفزيون وغير ذلك من أدوات المدنية ولكنه لا يرضى عما يحدثه كل ذلك من «تغريب» فهو يريد الحفاظ على أصالتنا الأخلاقية حتى لا تتشوه الشخصية - خاصة الشباب – بتقاليد الغرب وعاداته التي هي في أكثر الأحيان متناقضة لما نؤمن به ونعتقد.

وقد اختار الكاتب الأستاذ «عبد العزيز السالم» أن يقسم كتابه الجميل إلى نحو ثلاثين فصلا كل منها يحمل عنوانا مستقلا ولكنها كلها تجمعها رغبة واضحة في الاستمساك بأصول الأخلاق الإسلامية، وهو يبحر في أساليب التربية بين الماضي والحاضر.. ويبدي آراءه في التكوين الأسري وتباين المفاهيم بين الأجيال، وفي التربية السوية ثم بعد طواف ممتع يربط بين الماضي والحاضر، يصل إلى المحطة الأخيرة في تجربته الحياتية فيؤكد أنه في جميع مناحي حياته كان شخصا شديد التواضع، لم يجمع من المال أو الثروة إلا ما يكفي لحياة متوسطة رغم المكانة العالية والوظائف المرموقة..

تجربة حياة رائعة ومثمرة وكتاب يجب أن يقرأ وأن يقتنى.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية