تعديل ضروري.. على معدل عمر الإنسان السعودي!

|
أتوقع أن تكون نتائج التعداد العام للسكان الذي يجري في هذه الأيام لها تأثير واضح في مشاريع وبرامج التنمية المستدامة، وُنسلّم بأنه لا توجد مصلحة لكائن من كان أن تصمم خطط التنمية بعيداً عن تعداد موضوعي لعدد السكان في السعودية، ولذلك لا صحة ألبتة لما يشاع بأن الحكومة ــ لأسباب سياسية ــ تسعى لتضخيم عدد السكان. والمتوقع ــ وفقاً للمسح الإحصائي الذي نشرته مجلة ''الإكونومست'' في الشهر الماضي ــ أن عدد السكان في السعودية في عام 2010 سيصل إلى 26.2 مليون نسمة، وسيقفز بعد خمس سنوات، أي في عام 2015 إلى 29.6 مليون نسمة، ثم يستريح السعوديون في عام 2020 عند عتبة الـ 33.3 مليون نسمة. ونعتقد أن هذه التقديرات قريبة من الواقع وستكون أساساً لوضع خطط تنموية تعتمد على الأرقام الحقيقية ولا تقوم على الأرقام التقديرية أو الجزافية، بمعنى أن خطط التنمية ابتداء من الخطة التاسعة يجب أن تحشد كل الموارد والطاقات لمواجهة هذا العدد الزاخر الذي يحتاج ــ كما سنرى ــ إلى تنمية مركزة في الموارد البشرية. ولأن الموضوع الذي نناقشه في هذه المقالة هو تعديل سن التقاعد، فإن أهم ما يسترعي انتباه المراقب في الميزانية التقديرية للدولة في عام 2010 أن الدولة اعتمدت نحو 25 في المائة من الإنفاق الحكومي على التعليم، وهذا التوجه الهدف منه إجراء تنمية واسعة في الموارد البشرية، وهي تنمية مطلوبة بإلحاح في المرحلة التي تعيشها المملكة في هذه الأيام. ولكن إذا أمعنا النظر في نهاية النفق نجد أن عدداً كبيراً من الموظفين يبارحون العمل الوظيفي ويتقاعدون عند سن الـ 60 عاماً، وهذه السن ـ بالنسبة لمعدل عمر الإنسان السعودي ــ لم تعد سناً للتقاعد، بل أصبحت سناً للنضج وبلوغ أعلى درجات الخبرة والكفاءة، ولذلك فإن المجتمع السعودي يستغني سنوياً عن آلاف الموظفين الذين يتمتعون بمختلف الكفاءات والمهارات التي صرفت عليها الدولة أموالاً طائلة حتى أصبحت مدججة بالخبرات والمراس وعلو الإنتاجية ما يؤهلها للإسهام في تنفيذ برامج التنمية بكفاءة عالية. أمَا وإننا نستغني عن هذه الكفاءات لأسباب لم تعد مهمة، وهي أننا نريد أن نخلي وظائف هذه الكفاءات الماهرة لأجيال جديدة تعاني البطالة، علماً أن دواء البطالة لا يكمن في الاستغناء عن الكفاءات الماهرة، وإنما هناك عديد من المعالجات التي لم يعد من بينها ويجب ألا يكون من بينها الاستغناء عن الكفاءات الوطنية المدربة والمؤهلة. إذا تابعنا التطورات التي حدثت في قضية سن التقاعد نجد أن دولاً كثيرة طورت سن التقاعد إلى 70 عاماً، بل إن بعض الدول مثل ألمانيا ألغت تحديد سن معينة للتقاعد، وقالت إن الإنسان يتقاعد حينما يفقد القدرة على الأداء ويتوقف عن العمل. ولقد اعتمد أصحاب هذا الرأي على القاعدة التي تقول إن خبرات الإنسانية هي رصيد الأمة على طريق بناء المستقبل، وإن وصول الإنسان إلى أعلى عمره يتيح له فرصة تقديم أفضل الخدمات بأعلى درجات الجودة والإبداع. ونذكر أنه قبل 70 عاماً تقرر أن يكون سن التقاعد عند الـ 60 عاماً، ويومذاك كان معدل عمر الإنسان السعودي 60 عاماً، ورغم أن معدل عمر الإنسان السعودي تقدم وأصبح يلتحم بـ 75 ربيعاً فإن سن التقاعد ظلت عند سفح الـ 60 ربيعاً، بمعنى أن بلوغ الموظف الحكومي سن الـ 60 عاماً هو الشرط الأساسي ــ وفقاً لنظام الخدمة المدنية ــ للإحالة إلى التقاعد وترك العمل الوظيفي الرسمي حتى ولو كان الموظف يتمتع بكامل القدرات والمهارات. إن التجارب في التاريخ الإنساني تقدم لنا الكثير من البراهين التي تستوجب إعادة النظر في معدل سن التقاعد بين فترة وأخرى، فمعدل العمر في العصر الحجري الحديث مثلاً كان 20 عاماً فقط، وكانت الأسر التي ترى أولادها قد وصلوا إلى سن البلوغ نادرة جداً، وفى القرن الـ 15 كان معدل العمر في أوروبا 33.3 عام، وكانت الأسر التي ترى أحفادها قليلة، وفى أواخر القرن الـ 19 كان معدل عمر الإنسان الأوروبي 37 عاماً، وفى الصين كان معدل العمر في عام 1950 يقترب من الـ 35 عاماً، أمّا اليوم فإن معدل العمر في الصين بلغ الـ 70 عاماً، بل إن معدل عمر الإنسان في البلدان المتقدمة شارف الـ 80 عاماً، وتتمتع معظم العائلات بالعيش مع أحفادها وأحياناً أبناء الحفدة، وتصبح الذاكرة الاجتماعية والثقافية أنضج مع وجود شريحة كبيرة من المسنين الذين يقصون بأنفسهم قصص الماضي والحاضر والمستقبل. واضح من خلال تحليلنا أن هناك ارتباطا وثيقا بين معدل عمر الإنسان وبين سن التقاعد، وتعمل جميع الدول على وضع أنظمة التقاعد في ضوء معدل عمر الإنسان، بمعنى كلما تقدم معدل عمر الإنسان.. تقدم سن التقاعد، فإذا كان سن الـ 60 عاماً مناسبا للتقاعد لمن بلغ معدل عمره 60 عاما، فإن سن الـ 70 عاما مناسب لتقاعد من بلغ معدل عمره الـ 73 عاما أو يزيد. إن الإحصاءات الحديثة ترجح بِأن معدل عمر الإنسان السعودي بلغ في عام 2009 الـ 73 عاماً، ولكن للأسف فإن سن التقاعد ظل واقفاً ومتجمداً عند سن الـ 60 ربيعاً منذ أكثر من 70 عاما. إن زيادة معدل عمر الإنسان السعودي تتحقق من خلال مجموعة من العوامل التي تحاط بالإنسان, ومن أهمها التطور في الخدمات الطبية التي أصبحت في السعودية من الخدمات التي يقصدها المرضى العرب من كل أنحاء الدول العربية، كذلك من الأشياء التي تساعد على إطالة معدل عمر الإنسان هو بيئة المجتمع التي كلما كانت نظيفة فإنها تساعد المواطن على الاحتفاظ بالصحة والبقاء في الحياة ــ بإذن الله تعالى ــ لأطول فترة ممكنة، كما أن ثقافة المجتمع تلعب دوراً مهماً في تفعيل المقولة التي تقول الوقاية خير من العلاج. وعلى المستوى العربي فإن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة ''الأسكوا'' ذكرت في تقريرها الذي أصدرته في عام 2004 أن نسبة الوفيات في العالم العربي وصلت بين عامي 1950 و1955 إلى 24.3 لكل 1000 شخص، ثم انخفضت إلى 7.3 في عام 2008، وترتب على ذلك زيادة معدل العمر من 42.7 سنة إلى 66.5، وتوقع التقرير أن يزداد معدل العمر في الدول العربية بين 2045 و2050 إلى 10.5 سنة، وأن يبلغ في السعودية (ودول الخليج) نحو الـ 80 عاماً. في ضوء هذه الإحصاءات الموضوعية المهمة، فإنني أتمنى من وزارة الخدمة المدنية أن تتبنى مشروعاً لرفع سن التقاعد من 60 عاماً إلى 70 ربيعاً، وفى هذا استثمار حقيقي للأموال الطائلة التي صرفت لتخريج سرب من الكوادر والكفاءات الوطنية الماهرة.
إنشرها