انتعاش الاقتصاد العالمي يعتمد على القطاع الخاص ومدى قدرته على العودة إلى حالة ما قبل الأزمة، فالدول وفي مقدمتها مجموعة العشرين قد بادرت إلى وضع ما تعهدت به موضع التطبيق ورغم أن ذلك أدى إلى زيادة الدين العام على الدول الأكثر تأثرا بالأزمة إلا أنها قد اختارت طريق تقديم المساعدة لحين التعافي التام وهي تنتظر من القطاع الخاص العودة إلى تحقيق الإيرادات الملائمة لكي يستطيع سداد التزاماته تجاه الخزانة العامة للدولة وخصوصا الضرائب، فالدول المتأثرة بالأزمة تعي تلك العلاقة المعقدة والمتبادلة بين خزانتها والقطاع الخاص الخدمي والإنتاجي وعلى الأخص ما له صلة بالتجارة الدولية.
لقد انتهت قمة العشرين في واشنطن وظهر واضحا أن تعهد الدول بتقديم المساعدة ليس منه مفر حتى وإن طالت المدة الزمنية المتوقع تعافي الاقتصاد العالمي والمحلي من آثارها، ولكن المثير للقلق لدى المجموعة هو تلك التداعيات والمستجدات في وضع الاقتصاد العالمي حيث كان للأزمة المالية لليونان تأثير كبير في خلق ضغوط جديدة وغير متوقعة بلغت حد طلب المعونة المالية من الدول الصناعية الأقل تضررا من الأزمة وهذا يؤكد أن دور القطاع العام في تحقيق الخروج من الأزمة لا يزال هو الدور الرئيس الذي يعلق عليه الجميع الأمل في تفادي نتائج أكثر سوءًا على المديين القريب والبعيد.
إن ما تخشاه دول مجموعة العشرين أن تطول مدة الاستشفاء ويتزايد معها حجم المديونيات ويتحمل القطاع الخاص فيها التزامات تجعل من عودته إلى الوضع السابق أمرا صعب المنال بل وشاق التكلفة على الطرفين. خزانة الدولة وقطاعها الخاص ومع ذلك فإن هناك تقارير تشير إلى تحسن ملموس وبطيء في الاقتصادات الكبرى في العالم وهو تحسن ناتج عن الدعم الحكومي الذي يقوم بدور المانع من السقوط في هاوية أزمة جديدة بل إن الرئيس الأمريكي قد أعلنها بكل صراحة وحذر من أزمة جديدة تطول اقتصاد بلاده وتسحب معها الاقتصاد العالمي إلى القاع مرة أخرى.
ولعل المتابع للأخبار اللصيقة بالأزمة يجد أن هناك كاسبين في نواح وفي زوايا أخرى من العالم لا يقفون موقف المتفرج ولكنهم يسهمون بالقدر الذي لا يتجاوز المطلوب منهم خصوصا أنهم منافسون بالدرجة الأولى صناعيا وتجاريا وإن كانوا لا يظهرون أي مشاعر انتهازية لتحقيق تغيير في مركزية الاقتصاد العالمي وقيادته التي أصبحت على المحك في موقعها الجغرافي وهم ينتظرون ما تسفر عنه مسيرة الاقتصاد العالمي في منعطف تاريخي يسجل الحقائق للمستقبل لكي تكون درسا أو دروسا يستفيد منها الحكماء الراغبون في تجنب أزمة تفرض عليهم البحث عن مخرج لها.
وإذا كانت الحلول المستقبلية ليست محل توافق بين صانعي القرار العالمي فإن علينا أن نتوقع تباينا في وجهات النظر فالذين يحملون المنظومة المصرفية العالمية مسؤولية وقوع الأزمة يرون ضرورة فرض ضريبة لحمل المصارف على الالتزام واقتطاع جزء من أرباحها مقابل تكاليف الإنقاذ ومجهود الإسعاف الذي تحظى به، في حين يرى فريق آخر أن منظومتها المصرفية لم تمارس ما يتطلب فرض ضرائب تجاهها فضلا عن أنه ليس لها أي دور في حصول الأزمة.
والواقع أن دول مجموعة العشرين استطاعت أن تحرك القاطرة بصعوبة وأن تلتزم وتلزم معها دول المجموعة بالموقف الإيجابي الذي يحمده لها التاريخ المعاصر الذي يسجل إنجازات كبيرة منها تحرير التجارة وتبادل الاستثمارات وتوحيد قوانين التجارة وفتح الأسواق فهل كانت الأزمة ضريبة نجاح يجب دفعها أم أنها نتيجة تنافس حاد ولد اندفاعا غير محسوب العواقب كان كفيلا بالبحث عن حلول لضمان نجاح نظرية سوق عالمية واحدة بلا حواجز تحقق الفرص المتساوية للقادرين على الإنتاج والعمل والتفوق؟!
