حينما أصابني الولع بأفلام البا تشينو وريتشارد جير وفلييني في نهاية التسعينيات.. كان المنفذ الوحيد لاقتنائها هو محال الفيديو كاسيت، وكان امتلاك الأسرة لجهاز الفيديو من الخوارق في السبعينيات ثم صار من الأجهزة الأساسية.. لكن من صدق أنه سيكون اختراعا قديما لا فائدة له...؟
كان صاحب محل الفيديو الذي أمامنا هو مقر توزيع الفيديو كاسيت للأفلام الجديدة.. كان مثالا للطموح ورجل الأعمال الناجح.. تظهر صوره على صفحات الجرائد.. من يصدق أن الموضوع انتهى.
منذ نحو عام عرضت المذيعة الشهيرة أوبرا وينفلت في برنامجها الشهير فكرة طرح في الأسواق جهازا إلكترونيا يحل محل الكتاب له سعة تخزين عالية للآلاف من الكتب، وبشرت أنه سيكون نقلة نوعية في عالم صناعة النشر. وأعلنت شركة أمازون أنها لها حق التوزيع، وقدمت شكله بتصميم الكتاب نفسه ليعرض بين دفتيه الصفحات إلكترونيا.. ونشتري الكتب من على الموقع ونحملها على الجهاز. هل سيلغي أبي من حجرة مكتبه تلك المكتبة الكبيرة التي تصل للسقف؟ ويتباهى بها أمام الزوار؟
أخيرا أعلنت شركة أبل بدعاية مكثفة ظهور (أي باد) وهو كمبيوتر حجم الكتاب يسهل تطبيقات عدة منها تشغيل الكتب والمجلات الإلكترونية ويدعمه كبريات دور النشر في العالم.. يعني أن الموضوع مهم.
- هو اختراع غال الثمن.
- مع المنافسة سيقل سعره... ومع الوقت سيصل للعامة من يصدق أنه سيقتني جهاز كمبيوتر أو جوالا أو ... إلخ.
كان الشاعر حينما يريد نشر شعره يسافر إلى مكة ليعلق أشعاره على جدار الكعبة.. وعرفت المعلقات على الكعبة أو نوادي التجمع ومجلات الحائط كانت بالحفر على الصخر ... إلخ.
لكني أريد أن أتخيل معكم صناعة النشر ماذا سيحدث لو انتشر الجهاز المزعوم .
كفا الله الشر؟
وداعا للمطابع الأوفست منها والديجتال.
وداعا للحبر والورق والتغرية.. إلخ.
وداعا للمستودعات الضخمة.
وداعا لفريق التوزيع بسياراته الضخمة.
سيكون النشر فقط من تحرير وتجهيز الكتاب إلى تسويقه..!
لكن ما شكل السوق؟
أولا ستظهر شركات رائدة: ستكون هي صاحبة السبق في أخذ الوكالات لبيع الجهاز أو حماية الكتب إلكترونيا كوكالات من أمازوم أو أبل وغيرها.
ثانيا: ستظهر شركات قوية وهي التي ستقدر حماية مواقعها وحقوق مؤلفاتها ومؤلفيها... إلخ.
ثالثا: ستظهر سوق سوداء للتحايل على الأجهزة والحقوق مثل المنتج الصيني الرخيص..! تتعامل معه بعض دور النشر الصغرى كي تحافظ على تواجد غير شرعي.
وستظل دور النشر الورقية تبيع الكتب الرخيصة وكتب الأبراج وليلة الزفاف والمناهج.. في انتظار رصاصة الرحمة.
ستبقى الشركات التي تعظم فكرة النشر ولا تعتمد على عقليات متحجرة وتعتمد على منظومة وليست على اجتهاد فردي.
أذكر المسكين جارنا صاحب شركة توزيع الفيديو كان يلعب البلياردو مع عمر الشريف أمسى الآن يغني مع عبد الحليم ظلموه وسط أفيشات أفلامه القديمة.
ما هذا؟ حقا هذا سيحدث.. بتعديلات وآليات مختلفة في التفاصيل؟ أم أنه مجرد تصور؟
