الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

إيفو موراليس ومفارقة الشعوبية

روبرتو لاسيرنا
الخميس 22 أبريل 2010 2:37

نجح إيفو موراليس في تعديل الدستور في بوليفيا على النحو الذي يسمح بإعادة انتخابه رئيساً للبلاد. وبدعم من الأغلبية المناصرة له في البرلمان، تمكن أخيرا من شغل المناصب القضائية الشاغرة، الأمر الذي جعل منه الرئيس الأكثر نفوذاً في تاريخ بوليفيا المعاصر.

وفي نظر معارضيه فإن موراليس يعيد استنساخ تقاليد الزعماء العسكريين المستبدين، في تركيز السلطة بين يديه وتحويل المؤسسات الحكومية إلى مجرد شكليات. ولكن الشعبية الهائلة التي ظل يتمتع بها طوال الأعوام الخمسة الماضية تشير إلى أن أغلب أفراد الشعب البوليفي غير منزعجين كثيراً إزاء تعريض الديمقراطية في بلادهم للخطر.

إن نجاح موراليس يعتمد إلى حد كبير على مفارقة الشعوبية. فرغم أنه يزعم أنه يعارض الليبرالية الاقتصادية فإنه شخصياً كان نتاجاً للحريات السياسية التي روجت لها الليبرالية الاقتصادية والتي تغذت على الفوائد الناتجة عن اقتصاد السوق.

ولِد موراليس في أسرة ريفية على هضبة الأنديز، ثم نجح في ترسيخ نفسه في تشاباري مع بداية طفرة الكوكا (نبتة يستخرج منها الكوكايين). وأبعدته حياته المهنية كزعيم نقابي عن الزراعة وقربته من السياسة، حيث برز واشتهر بفضل انتقاده للولايات المتحدة، التي كانت الحملة التي شنتها لمكافحة المخدرات تعني القضاء على المحصول الذي يدر دخلاً على الفلاحين الفقراء.

ومن خلال دفاعه عن أوراق الكوكا، التي ظل أهل الأنديز يستهلكونها طوال قرون من الزمان والتي تشكل المادة الخام لتصنيع الكوكايين، فقد تمكن موراليس من الربط بين معارضته للسياسة الأمريكية المناهضة للمخدرات والدفاع عن تقليد ثقافي وطني والحقوق الاقتصادية للفقراء. وعلى هذا فقد نجحت زعامة موراليس في الجمع بين ثلاثة أبعاد رمزية قوية: المشاعر القومية، والاهتمام بالفقراء، والكبرياء العرقية الناشئة بين المواطنين الأصليين في بوليفيا.

ولكن صُنع موراليس كزعيم قادر على الجمع بين ثلاثة أبعاد يعكس اثنين من الإصلاحات المؤسسية التي شهدتها فترة التسعينيات والتي وسعت المشاركة الاجتماعية وأتاحت الفرص لزعماء جدد وحركات سياسية جديدة. وعمل تقسيم البلاد إلى بلديات على نقل الموارد الضريبية وقدرات اتخاذ القرار إلى المجتمعات المحلية، وبالتالي ساعد في تمكين النقابات الزراعية من السيطرة على عديد من المدن وتولي المسؤوليات الإدارية. ولقد أدى هذا إلى تشكيل أحزاب سياسية جديدة، وبفضل إنشاء المجالس الإقليمية في عام 1997 أصبح بوسع الزعماء الذين يتمتعون بجذور محلية قوية ــ مثل موراليس ـ الوصول إلى الكونجرس في بوليفيا من دون الاحتياج إلى الدعم من جانب أي حزب كبير.

وبمجرد تمكنه من احتلال مركز المشهد السياسي، استغل نائب الكونجرس موراليس حصانته الدستورية لتكثيف أنشطته النقابية وتعزيز نضاله ضد السياسات المناهضة للمخدرات. وفي انتخابات عام 2002، تلقى موراليس دعماً غير متوقع وغير مقصود من جانب سفير الولايات المتحدة، الذي أشعل المشاعر القومية حين أعلن أنه ضد موراليس.

واستمر موراليس في التقدم ليفوز في انتخابات عام 2005 الرئاسية بأغلبية مطلقة. والواقع أن الأحزاب الأخرى سهلت مهمته بتشكيك كل منها في الأخرى، والفشل حتى في الدفاع عن الإنجازات التي حققتها طيلة الأعوام الـ 20 السابقة. وهناك عاملان آخران جعلا صعود موراليس أمراً ممكنا: أولاً إحياء صناعة النفط في بوليفيا، وثانياً خلق الآليات اللازمة لتوزيع الدخل الناتج عن النفط. والآن يعمل نفس العاملين على تعزيز حكمه.

فضلاً عن ذلك فقد نجحت استثمارات القطاع الخاص في منتصف التسعينيات في زيادة الناتج من الغاز الطبيعي. وسرعان ما بدأ تصدير الغاز ـ وبأرباح ضخمة ـ إلى البرازيل. وعلى هذا فحين تولى موراليس السلطة، كان اقتصاد بوليفيا في موقف يسمح له بالاستفادة من ازدهار أسعار المواد الخام العالمية. ونتيجة لهذا فقد تزايدت العائدات، على الرغم من حكومته القومية وسياساته المعززة لقوة الدولة، الأمر الذي أبعد الاستثمارات وعرقل القدرة على الوصول إلى أسواق جديدة.

منذ عام 2005 تضاعفت الصادرات البوليفية إلى ستة أمثالها، هذا إلى جانب العائدات المالية. ويتم توزيع هذه الأموال تلقائياً على الحكومات المحلية، طبقاً للنموذج الذي أرساه من سبقوا موراليس في منصبه، والذي يقوم على نقل الموارد إلى أقاصي أطراف البلاد. ولكن جني الفوائد لم يكن مقتصراً على الحكومات المحلية؛ فمن خلال التحويلات النقدية التي تكدست أثناء سنوات الليبرالية الجديدة المزعومة، كان للأسر أيضاً نصيب في المكسب، من خلال معاشات الشيخوخة الشاملة (من دون اشتراكات) في المقام الأول، والتي يحصل عليها كل من يتجاوز الـ 60، أو أكثر قليلاً من 30 في المائة من الأسر البوليفية.

وفي السنوات الأخيرة بدأت الحكومة في منح الإعانات لطلاب المدارس العامة وتوفير رعاية الأمومة للنساء الحوامل في المراكز الصحية، ولكن الأثر السياسي المترتب على هذه الخطوات كان أعظم من الأثر الاقتصادي. والواقع أن مبادرات موراليس الاقتصادية كثيراً ما يتبين أنها كانت فارغة من المحتوى، كما حدث مع صفقاته التي عقدها مع فنزويلا لتوريد الهيدروكربون ومع الهند لتوريد الحديد. أما خطته الرامية إلى استغلال حقول الغاز في البلاد في الصناعة فإنها تظل مجرد وعود. لقد سجل الاقتصاد البوليفي نمواً معتدلاً في ظل إدارة موراليس، وذلك نظراً للطلب الدولي والتحويلات النقدية من الدولة إلى الحكومات المحلية والأفراد. ولم يكن هذا سبباً في زيادة الإنفاق الأسري فحسب، بل عمل أيضاً على توفير الفرص التجارية، في كل من القطاعات الرسمية وغير الرسمية، الأمر الذي جعل من هذه السياسة النهج الأكثر نجاحاً في مكافحة الفقر.

هكذا، وعلى الرغم من الخطب الرسمية الرامية إلى دعم تدخل الدولة، فإن حكومة موراليس تستفيد أساساً من طريقة عمل السوق. ويغض الناس الطرف عن فشل الخطط والمشاريع الحكومية بفضل السوق الداخلية الصغيرة ولكنها متوسعة، والتي تتغذى فعلياً على الليبرالية الاقتصادية التي تشتمل على نمو صناعة تهريب وتجارة المخدرات. وهذه الأنشطة غير المشروعة ليست مقصودة، ولكنها تعمل على زيادة دخول الفلاحين، وشركات النقل، وشركات البناء، ورجال الأعمال.

وهذه هي مفارقة الاشتراكية في القرن الـ 21: حيث تشكل الليبرالية الاقتصادية الأساس الذي تقوم عليه السياسة التي تطمح إلى تغيير هذه الليبرالية. ولعل هذا يشكل أيضاً القيد الأعظم الذي يحول دون نجاح الأمر برمته كمشروع سياسي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية