تدخل المملكة عصر الطاقة النووية السلمية وبصورة واضحة ووفق استراتيجية معلنة وفي توقيت دولي وإقليمي يضع العلم في خدمة المستقبل الآمن لشعوب العالم والمنطقة الأكثر حساسية وهي الشرق الأوسط، حيث توجد المبررات لامتلاك الطاقة النووية، كما توجد الأسباب الكافية للتحذير من الخروج بهذه التقنية عن أهدافها المشروعة وما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج بعيدة المدى والتأثير في المنجزات البشرية في قلب العالم القديم والجديد معا رغم أن التقنية النووية ليست كلها شرا بل هي سلاح ذو حدين وتلعب النوايا في امتلاكها دورا حاسما في التعامل معها ومع الحائزين لها.
إن المملكة كدولة قامت على الحق والتزمت به وسعت إلى جعله منطلقا في علاقاتها المتوازنة مع دول العالم هي اليوم أمام خطوة تمثل نقلة نوعية في التعامل مع الطاقة النووية والمتجددة، فقد جاء إنشاء جهاز حكومي متخصص في شؤون الطاقة النووية بداية للتعامل معها من منظور المصلحة الوطنية العليا التي تضع في الاعتبار المستقبل بكل مجريات أحداثه المتوقعة من نضوب الطاقة الأحفورية وتحول إنتاج الطاقة ونمط التعامل مع الآلة إلى تغير جذري يجعل من منتجي الطاقة التقليدية زبائن دائمين وفي تنافس تملأه الهواجس والمخاوف والأسوأ من ذلك الندرة في امتلاك وقود الطاقة النووية وهو اليوارنيوم الذي يعتبر مادة لا تخضع للتسعير فهي ليست سلعة للبيع والشراء بل هي سلعة استراتيجية من لا يمتلكها فلن يكون بمقدوره شراؤها بسبب الندرة والتناقص الدائم في كمياتها المتاحة للتداول السلمي. لقد تسابقت الدول العظمى ومن خلال تقنيتها الفضائية العالية الرصد على تحديد المواقع المليئة باليورانيوم في جميع دول العالم وهالهم تلك الكميات الضخمة المكتنزة في باطن وسطح الأرض منذ آلاف السنين في الجزيرة العربية، بل إن البعض من الخبراء اعتبر ذلك توزيعا غير عادل للطاقة بين دول العالم وفي القارات الخمس، حيث يفترض أن يكون هناك توازن بين موارد الطاقة وحيازة المعرفة والتقنية لاستخراجها واستخدامها وهو اعتراض في غير محله، فقانون الطبيعة لم يكن مجاريا للمنطق بل هو قانون أزلي أنتجته قوى الطبيعة بإرادة الخالق سبحانه، والذي يهم العالم اليوم هو حقيقة أن ارتهان الطاقة بالشرق الأوسط سيستمر لقرون طويلة بسبب وجود كميات كبيرة من اليورانيوم الطبيعي في دول الجزيرة العربية والشرق الأوسط وبعض الدول الإفريقية التي لم تستهلك شيئا يذكر من مخزونها النفطي حتى اليوم.
إن امتلاك السلاح النووي هدف اقترن دائما بالرغبة في فرض الأمر الواقع بعيدا عن القانون الدولي وحقوق الشعوب حتى أصبح مثارا للسؤال عن الغرض منه كبرنامج ومشروع وطني وإذا كانت الحروب والصراعات قد أججت الخلاف وحرضت على التفوق بأي طريق مهما بدا خطرا، فإن المملكة لم تكن طرفا في صراع دولي يجعل من التقنية النووية وسيلة لفرض مواقف أو أجندة بصورة غير مشروعة ولذا نجد أن المبدأ القانوني الذي تنطلق منه المملكة هو الحق في دخول عصر التقنية النووية السلمية واستخدامها بما يحقق الرفاهية وبمستويات عالية من توفير وسائل السلامة لتفادي المساوئ المحتملة لسلبيات هذه الطاقة حتى في استخداماتها السلمية.
إن البرنامج السعودي للتعامل مع مخرجات الطاقة النووية هو برنامج مدني بحت وستكون نتائجه المباشرة ذات صلة وثيقة بالمشاريع الوطنية الطموحة في المجال الطبي وتحلية المياه والاستعداد لمرحلة الآليات ووسائل النقل التي تعمل بالطاقة المتجددة، حيث ستكون دول العالم في فترة قريبة جدا بين دول تستطيع أن تتبادل مع الواثقين بها الطاقة والمعرفة النووية ودول أخرى أفقدت نفسها مصداقية التعامل رغم سبقها في دخول عصر الطاقة النووية.
