يظهر موقفان سياسيان مختلفان في رسم كرتوني نشرته صحيفة ''الأمة'' التايلاندية في الرابع من نيسان (أبريل) 2010، حيث يخص الأول تايلاند، بينما يتعلق الثاني بماينمار. ويظهر في الجزء الخاص بتايلاند صندوق اقتراع داخل قفص، حيث يحاول أحد المواطنين الاقتراب منه للإدلاء بصوته. وأما في الجزء الخاص بماينمار، فيظهر الناخب داخل قفص، ويحاول الوصول إلى صندوق للاقتراع. والواقع أن هذين السيناريوهين مختلفان تماماً، ولكنهما يبعثان بالرسالة ذاتها، أي أنه لا يمكن الوصول إلى الديمقراطية في هذين البلدين، كما أن هناك أمراً مختلقاً من الخيال المثالي.
إذا بدأنا بتايلاند، فإن ما يحير المرء هو أن حرية التعبير أدت إلى طريق سياسي مسدود، مقابل التوصل إلى حل فعلي. وأثبتت التظاهرة أثر الأخرى أن المتظاهرين ضد رئيس الوزراء، فيجافيا، استفادوا بأقصى حد ممكن من جو الحرية من أجل الإطاحة به، حيث يعتبرون أنه دمية بيد الجيش، والنخبة الموجودة في بانكوك. وقد اتجه الوضع السياسي في تايلاند خلال الأسابيع القليلة الماضية من سيئ إلى أسوأ، حيث لجأ أصحاب القمصان الحمراء إلى استراتيجيات جديدة، واختبروا صبر الحكومة. وبدأت الاستراتيجية الجديدة بالاستيلاء على منطقة التسوق الأغنى في العاصمة، ليتبع ذلك اقتحام للبرلمان. ورد رئيس الوزراء بإعلان حالة الطوارئ التي تجاهلها أصحاب القمصان الحمر. وهاجم كل من المتظاهرين وجال الأمن بعضهم بعضا في نهاية الأسبوع، الأمر الذي أوقع إصابات بين الطرفين. وهكذا عادت بانكوك مرة أخرى إلى النيران المشتعلة، وأفادت تقارير أن 21 شخصاً على الأقل قد قتلوا وكذلك إصابة أكثر من 800 آخرين بجروح، حيث دخلت تايلاند بالفعل فترة خطيرة للغاية من الدراما السياسية.
منذ أن أطيح بحكومة رئيس الوزراء السابق، شيناواترا في انقلاب عسكري في أيلول (سبتمبر) 2006، دخلت تايلاند في غيبوبة سياسية، حيث رفعت الأطراف المتصارعة السكاكين، بدلاً من الحوار السياسي. ويدعي الجانبان أنهما حماة الديمقراطية. وبينما قاد ذوو القمصان الصفراء من أتباع حزب التحالف الشعبي من أجل الديمقراطية، الموجة الأولى من التظاهرات للتخلص من الساسة الفاسدين من أمثال شيناواترا، فقد قاد الموجة الثانية أتباع الجبهة الوطنية الموحدة من أجل الديمقراطية المعادية للدكتاتورية، أو أصحاب القمصان الحمر الذين يظهر أنهم يجسدون صراعاً يجعل نخبة بانكوك في مواجهة المواطنين العاديين، ويطالبون بإعادة السلطة إلى هؤلاء المواطنين.
يتضح لغاية الآن، أن نظام رئيس الوزراء الحالي الذي يتمتع بتأييد قطاعات واسعة من الجيش، وبعض الشخصيات رفيعة المستوى، مصمم على الاحتفاظ بالسلطة، والإبقاء على امتيازا ته. ويرى رئيس الوزراء أن الانتخابات الجديدة لن تحل المشكلة السياسية المزمنة في البلاد. غير أن من المعروف أنه من السياسيين الذين يشترون الوقت، مع العلم بأن أسلوبه هذا لن ينجح، إذا حكمنا على الأمور من خلال استمرار تظاهرات أصحاب القمصان الحمر في شوارع بانكوك. ويبدو أن المتظاهرين متشددون، ومصممون على أن عناد رئيس الوزراء في إطالة فترة حكمه سيزيد من الرصيد السياسي لهم. وإن من شأن الصدام الذي حدث في نهاية الأسبوع الماضي أن يجعل الحكومة تفكر ثانيةً في إجراء انتخابات مبكرة، وهو أمر سيقرره ما يراه الجيش في مسألة الخسائر البشرية التي لحقت بقواته خلال الصدامات الأخيرة.
أما عن ماينمار، فإن النظام العسكري الذي يمثله مجلس الدولة للسلام والتنمية، أعلن خلال الفترة الأخيرة عزمه تنظيم انتخابات عامة في وقت ما من العام الحالي، لتكون الأولى من نوعها خلال 20 عاماً. وقد حقق حزب الجماعة الوطنية من أجل الديمقراطية بزعامة داو أونج سان سوكي، فوزاً كاسحاً في الانتخابات العامة الماضية. ولكن الجيش استولى على السلطة، ووضع هذه الزعيمة مراراً تحت الإقامة الجبرية، حيث ما تزال ''مقيدة الحرية'' حتى يومنا هذا.
ليس سراً في العاصمة الجديدة للبلاد أن الجيش، على الرغم من اعتزامه تنظيم انتخابات عامة، فإنه يخطط لتعميق جذور سلطته، واستمرار السيطرة على سياسة بورما. وعلى ذلك، لا بد من التخلص من تهديد زعيمة المعارضة. وكانت زيارة جون ييتاو الأمريكي إلى مقر إقامتها في أيار (مايو) الماضي سبباً لاتهامها من قبل الحكم العسكري بمخالفة شروط الإقامة الجبرية، وهو أمر يخدم مصالح هذه الطغمة العسكرية.
لقد تم حرمان زعيمة المعارضة من عضوية حزبها على أساس أن هناك تهماً إجرامية بحقها. وقد قرر أعضاء حزبها بالفعل مقاطعة الانتخابات دفاعاً عن زعيمتهم، وبذلك فإنهم يلطخون سمعة الحكومة المقبلة دون أن يلمسوا أي صندوق اقتراع.
من هذا المنطلق، وبالإشارة إلى الرسم الكرتوني، فإن الشمولية السياسية تظل قضية شائكة على طريق الديمقراطية في ماينمار. وبينما أدانت الأنظمة الغربية النظام العسكري الحاكم لمنعه زعيمة المعارضة من خوض الانتخابات التي تمتلك فرصة كبيرة للفوز بها، فإن أصدقاء البلاد في الإقليم المحيط بها يظهرون درجة أعلى من التسامح مع نظام الحكم العسكري، حيث إن الشمولية السياسية في الحكم لا تبدو أمراً بالع الأهمية في منطقة جنوب شرق آسيا.
إن الأوضاع القائمة في هذين البلدين تظهر أن التخلص من الشمولية السياسية، واللجوء إلى لامركزية ممارسة السلطة، من شأنهما دعم الديمقراطية. وينبغي ألا يقتصر دعم الديمقراطية على الشعب، بل يشمل كذلك القوات المسلحة، والنخب السياسية. ومن المؤسف أن هذه الأمور يتم تجاهلها تماماً في بناء أسس الدولة في هذه المنطقة من العالم، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتايلاند، وماينمار.
كان الانتباه موجهاً بصورة رئيسة إلى كيفية استخدام الدول لسلطاتها للسيطرة على الشعب، وليس العكس. والأهم من ذلك هو أن بعض دول المنطقة لا يهتم بتشجيع الديمقراطية لحماية مصالح الشعب. وبالنسبة إليها، فإن الحفاظ على السلطة هو المهمة العاجلة، كما برهنت على ذلك الأزمتان في تايلاند، وماينمار.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: Opinion Asia
