الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

أمريكا والصين وطفرة المناخ

خوليو فريدمان
خوليو فريدمان،
رومان فريدمان،
مايكل جولدبرج
الأحد 18 أبريل 2010 4:22

تشتمل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين على جوانب عديدة ـ بعضها يثير الجدال الآن، والبعض الآخر ما زال التعاون فيه قائما. ومن بين المجالات التي تمثل فرصة للتعاون بين البلدين مسألة سياسة الطاقة وتغير المناخ، وذلك لأن البلدين مسؤولان عن أكثر من 50 في المائة من إجمالي استهلاك الفحم، في حين يبلغ مجموع حصتهما في كل من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي والاقتصاد العالمي 40 في المائة.

وإذا كان لنا أن نتوصل إلى اتفاقية دولية لحماية مناخ العالم، فإن الأمر سيتطلب قدراً أعظم من العمل في مجال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من جانب الولايات المتحدة، فضلاً عن تعهدات ملزمة من جانب الصين بخفض عبء الكربون. ولكن في نهاية المطاف، ومن دون التعاون بين الولايات المتحدة والصين فإن اتفاقية المناخ العالمية ستظل رهينة. ولهذا السبب تمثل الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة والصين مشكلة للعالم أجمع.

لقد شاركت الصين على مضض في الجهود العالمية الرامية إلى الحد من الانبعاثات الإجمالية. والواقع أن التحفظات العميقة التي أبداها الكونجرس الأمريكي فيما يتصل بتمرير مشروع قانون المناخ أصبحت أشد حدة بسبب مواقف الصين، وخاصة فيما يتصل بقضايا مثل المراقبة الدولية وتحمل المسؤولية عن الانبعاثات الناتجة عن أنشطتها، وهو ما تعتبره الصين إهانة لسيادتها.

ولكن يتعين علينا أن ندرك بوضوح أن الصين على الرغم من دورها غير البنّاء في الجهود الدولية، إلا أنها لم تجلس ساكنة بلا حراك في التعامل مع قضايا الطاقة والبيئة. ففي غضون الأعوام العشرة المقبلة ستبني الصين محطات لتوليد طاقة الرياح بقدرة تبلغ 100 ألف ميجا واط (عشرة أضعاف مثيلاتها المنتظرة في الولايات المتحدة)، فضلاً عن نحو 50 ألف ميجا واط من القدرة النووية، وعشرة آلاف ميجا واط من الطاقة الضوئية الشمسية، وعشرة آلاف ميجا واط من الطاقة الحرارية الشمسية.

فضلاً عن ذلك فإن الصين تعتزم خفض كثافة استخدامها للطاقة بنسبة 40 في المائة، وتستثمر نحو 440 مليار دولار في تكنولوجيا الطاقة النظيفة، علاوة على تسعة مليارات دولار شهرياً تنفقها الصين على مشاريع البحث والتطوير في مجال الطاقة. وتختبر الصين على نطاق واسع تقنيات جديدة في مجال تحويل الفحم، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، واحتجاز الكربون.

وهذه الجهود العملاقة تجعل مبادرات الولايات المتحدة تبدو كالأقزام إلى جانبها. ومع ذلك فإن الصين تعتزم أيضاً أن تبني في المستقبل القريب محطات طاقة تعمل بالفحم بقدرة 500 ألف ميجا واط (أكثر من إجمالي المخزون منه في الولايات المتحدة)، وهذا يشكل تهديداً خطيراً للغلاف الجوي للأرض والبيئة العالمية.

إن الحسابات القاسية المرتبطة بتراكم الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي في الغلاف الجوي لا تسمح ببساطة بعقدٍ ضائع آخر من الزمان. ولكي نتجاوز هذه التحديات في هذا العقد، فيتعين على العالم أجمع ـ وخاصة الولايات المتحدة ـ أن يعمل على خلق شراكة قوية ومستدامة مع الصين فيما يتصل بخفض الانبعاثات.

والسبيل الأفضل إلى تحقيق هذه الغاية يتلخص في إنشاء العلاقات المؤسسية القائمة على الثقة، فضلاً عن التفهم العميق لاحتياجات الطرف الآخر وقدراته. ويبدو أن اجتماعات أوباما وهو جين تاو في واشنطن نجحت في تحسين جو المناقشات الجارية الآن بشأن المناخ. ولكن نظراً للمنافسة المباشرة والقوية في مجال تكنولوجيا الطاقة بين البلدين، فإن انتهاز هذه الفرصة سيلزم البلدين أيضاً بإيجاد سبل جديدة لتوحيد الأهداف المشتركة في مجال تثبيت استقرار الغلاف الجوي، حتى أثناء سعيهما إلى تلبية الاحتياجات الوطنية التي لا يمكن لأحد أن ينكرها. والمطلوب باختصار يتلخص في مبادرة كبيرة مشتركة في مجالات الإبداع، والعلوم التطبيقية، والتنمية، وإثبات حسن النوايا.

ولا بد أن يشتمل المكون الأمريكي على حملة مستدامة لدعم تنمية الطاقة النظيفة، ومن الأهمية بمكان أن تشارك في هذه الحملة الشركات الكبيرة والصغيرة، والمختبرات الوطنية، والجامعات، والمنظمات غير الحكومية (وهي نسخة مدعومة وموسعة من الاستثمار في الطاقة بإشراف وزارة الطاقة في إطار تشريعات التحفيز التي أقرها أوباما). وينبغي أن يتلخص الهدف هنا في التعجيل بإنتاج تكنولوجيات الجيل الجديد من الطاقة النظيفة، فضلاً عن تلبية هدف خفض مستويات الطلب والذي سيكون ضرورياً للحد من التلوث الناتج عن غازات الانحباس الحراري.

ورغم أن هذه المبادرة مكلفة فمن شأنها أن تساعد على إعطاء الشركات والبنوك الضمانة التي تحتاجها للاستثمار في رأس المال الذي سيتطلبه إنتاج هذه التكنولوجيات الناشئة. وبهذا القدر من التحفيز فإن الطلب على الطاقة المنخفضة الكربون في سوق الطاقة المحلية سيشكل أداة هائلة لمضاعفة قوة الاقتصاد الأمريكي ـ وأي اقتصاد آخر.

إن المبادرة الأمريكية التي لا تضمن اكتساب القدر اللازم من الدعم الحكومي لن تكون كافية، ولن يتسنى اكتساب حجم المشاريع اللازم والسرعة الكافية للتصدي لهذه التحديات إلا من خلال تكوين شراكة بين الولايات المتحدة والصين. والواقع أن الصين ستبني أول محطة طاقة مثالية قبل الولايات المتحدة. وهذا يعني أن المجموعات الصناعية، والمؤسسات، بل وحتى الوكالات الحكومية في الولايات المتحدة لابد أن تبدأ في مشاركة الشركات والمنظمات الصينية ـ بل وحتى تمويلها في بعض الأحيان.

إن مثل هذه الشراكات قادرة على خفض التكاليف وزمن التجارب والتعلم إلى النصف، فضلاً عن تفادي التكرار وإهدار الوقت والمال. والواقع أن تكاليف هذه الجهود ستشكل جزءاً ضئيلاً مما قد تنفقه الولايات المتحدة على أي مشروع منفرد واسع النطاق. ولكن ربما كان الأمر الأكثر أهمية في المدى البعيد أن هذه الشراكات قادرة على خلق إطار من التعاون والثقة المطلوبين إذا كان للعالم أن ينجح في التوصل إلى اتفاقية عالمية حقيقية في التعامل مع قضية المناخ.

إن سوق تكنولوجيا الطاقة الدولية تتسم بالوحشية والتنافس الشديد. وهو ما يدفع كل دولة إلى اللجوء إلى استراتيجيات أنانية. ولكن البيئة العالمية لن تستجيب للجهود الوطنية المنعزلة وحدها بل إن الأمر يتطلب أشكالاً جديدة وأكثر عمقاً من التعاون. ولا شك أن الولايات المتحدة والصين تشكلان القطعتين الأعظم أهمية في الصورة الأكبر التي يتعين على العالم تجميع أجزائها.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية