الطاقة النووية سلاح ذو حدين، وقد اختتمت قمة واشنطن بتقرير الحق في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، حيث أكدت المملكة من خلال وفدها المشارك في القمة الموقف الثابت والواضح في أن تكون منطقة الشرق الأوسط خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل وخاصة السلاح النووي، وكان الاتفاق على مكافحة الاتجار غير المشروع في المواد النووية وضمان أمن المواد النووية في جميع أنحاء العالم من أهم ما أنجزته القمة التي جاءت لتقرب المسافات بين الطامحين إلى امتلاك الطاقة النووية, والراغبين في تفادي الدخول في سباق دولي جديد.
لقد ظن العالم أن عصر السباق النووي قد ولى بنهاية الحرب الباردة، وما هي إلا عقدان من الزمان حتى بدأ سباق خارج المنظومة التقليدية للسباق بين الدول العظمى، حيث كان اختلال التوازن في حقوق اكتساب المعرفة النووية وتطبيقاته العملية الدافع لخرق الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المانعة لانتشار السلاح النووي، كما كان للمواقف السياسية المتباينة والمصالح المتعارضة دور رئيس في تباعد الرؤى حول من يحق له أن يدخل إلى النادي النووي ومن لا يحق له أن يكون عضوا في أي ترتيبات مستقبلية.
إن الطاقة النووية مصدر ذو تأثير مستقبلي بارز في ريادة الأمم وقدرتها على الوفاء بمتطلباتها الضرورية نحو مجتمعاتها وتوفير الإمكانية التشغيلية العالية الكفاءة لمرافقها ومنشآتها عندما تنضب مصادر الطاقة الأحفورية وفق دراسات تقديرية تتراجع بين فترة وأخرى نتيجة لما يتم اكتشافه من مصادر جديدة للطاقة، ومع ذلك فهناك من يتملكه الخوف عندما يبحث عن مخرج من نضوب الطاقة, وهي مخاوف طبيعية لأن أعمار الأمم تقاس بمقياس زمني يختلف عن العمر الطبيعي للإنسان.
ولعل التقنية النووية كعلم وتخصص دقيق هي اليوم محل تنافس شديد أكثر من امتلاك السلاح النووي نفسه لأن امتلاك السلاح النووي وحده غير كاف لبث المخاوف ما لم تتوافر عوامل أخرى مساندة كالقدرة على اتخاذ القرار السياسي باستخدامه, وهو قرار انتحاري في جميع الأحوال، ولأن الخضوع للقانون الدولي بصورة متساوية هو لب الأزمة النووية السياسية فقد كان ولا يزال سببا في انشقاق الصف الدولي العقلاني في مناهضة امتلاك السلاح النووي، وقبل ذلك الاستثناء غير المبرر من الخضوع للتفتيش المنتظم من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإثبات الأغراض السلمية للبرنامج النووي لكل دولة تمتلكه أو عضو في المنظمة أو موقعة على اتفاقية دولية ملزمة بهذا الشأن.
وليس المطلوب من الدول الممتلكة للسلاح النووي أن تتخلى عنه فهو جزء من قدراتها الدفاعية وعنصر ثقل في أي مفاوضات سياسية حالية أو مستقبلية, ولكن ما تطالب به الدول ذات الطموح النووي أن تجد من الدول المالكة لهذه التقنية أن تكون قدوة في تصرفاتها من حيث تخفيض ترساناتها التي هي مصدر خطر قائم، ولم يعد لكميتها دور في ترجيح الكفة في موازين القوى, فالأرقام لم تعد اليوم محل اهتمام أو تأثير يذكر على أي طاولة مفاوضات, وهو ما يوجه بفكرة التوازن بين المسؤولية الدولية وامتلاك السلاح النووي.
إن أشد الأخطارالذي يجمع الأطراف على مائدة المفاوضات مهما تباينت المواقف هو ذلك الاحتمال غير المستبعد من وصول هذا السلاح الخطير إلى أيد لا تعرف سوى الدمار للإنسان في أي مكان وأي زمان، فالإرهاب لم ينته, ولم يكن التحرك العسكري الدولي في خط مجابهة معه, بل أخذ مسارا آخر وأدى إلى خلق دوافع تغذي الفكر المضاد المتطرف الذي لا يعرف أصولا للعبة الصراع الدولي, والأخطر أن تقوم دول بتسريب هذا السلاح الخطر إلى أيد تلعب به في جميع الاتجاهات.
