الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

إن المتأمل في النشاط التجاري يجده أكبر المصادر دخلاً سواء على مستوى الفرد أو مستوى الدول, وبالتالي فإنها أكثر وجوه النشاط البشري إغراء لما فيها من كثرة الأرباح, مما يجعلها مجالاً واسعاً لاستخدام جميع أنواع الحيل من أجل ترويج السلع والخدمات, ومن تلك الحيل اللجوء إلى الدعايات الكاذبة التي تنطوي على إخفاء عيوب السلعة واستغلال عواطف المستهلكين في هذا الجانب.

ومع ظهور أساليب الدعايات التجارية والتفنن في تقديمها للمستهلك, أصبحت حماية المستهلك تمثل مبدأ مهما في جميع التعاملات التجارية سواء في مجال التجارة التقليدية أو في مجال التجارة الإلكترونية, ولاسيما أن المستهلك قد يتعرض لعمليات من الغش والتضليل في ظل الغياب شبه الكامل, وعدم وضوح أنظمة وتشريعات حماية المستهلك في المملكة من ناحية, وعدم وجود أجهزة صارمة وليست صورية مدعومة بآليات وأدوات واضحة للقيام بدورها في حماية المستهلك. ونتيجة لذلك كانت الغلبة للشركات التجارية الكبرى التي تخصص أموالاً طائلة للدعاية والإعلان من خلال قنوات الإعلان المرئية والمسموعة والمكتوبة, وبالتالي فإن من المتصور وقوع المستهلك ضحية الغش والتضليل المقصود من قبل التجار.

ورغم أنه لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية الإعلانات التجارية في حياتنا المعاصرة, إذ أصبح الإعلان التجاري المتحدث الرسمي عن نشاط الشركات والأفراد, وأنه وسيلة المستهلكين للتعرف على السلع والخدمات, كما أنه يعد أداة استشارية عند اتخاذ القرارات الاستهلاكية, بل إنه ربما يدفع المستهلك لشراء سلع قد لا يكون في حاجة إليها نتيجة تأثير الإعلان التجاري في ذلك المستهلك والذي جعله ذلك الإعلان التجاري في حالة دائمة من عدم التوازن في اتخاذ قراراته الاستهلاكية.

ونتيجة لذلك تتعدد مخاطر الإعلانات التجارية على المستهلك, فقد تؤدي الإعلانات عن عمد إلى تثبيط همة المستهلك في الإقدام على شراء سلعة منافسة قد تكون أفضل جودة من السلعة المعلن عنها, لذا كان لا بد من إرساء آداب لمهنة الإعلان التجاري.

من ناحية أخرى قد يؤدي الإعلان التجاري إلى خداع المستهلك بالمنتج محل الإعلان سواء انصب الخداع الإعلاني على ذاتية وطبيعة المنتج أو على مكونات المنتج أو انصب الخداع الإعلاني على الخصائص الجوهرية للمنتج, أو على مقدار وقياس وعيار السلعة أو مصدر أو أصل السلعة, وقد ينصب الخداع على طريقة الصنع أو تاريخ الصنع, وقد ينصب الخداع على شروط استعمال السلعة أو على النتائج من استخدامها. وكذلك فإن الإعلان التجاري سواء عن طريق الإنترنت أو الطرق التقليدية الأخرى قد يؤدي إلى الترويج لنوعية من السلع والخدمات الخبيثة, وتستنزف أموال المستهلك فيما لا ينفع بل ربما تعود على المستهلك بالضرر, كالإعلان عن سجائر الدخان وغيرها مما يضر بالصحة. وبناءً على تلك المخاطر كان الإعلان الكاذب مثارا لرفع كثير من القضايا أمام المحاكم في المملكة وجميع دول العالم.

بناء على هذه الآثار الناجمة من سوء استخدام الإعلان التجاري من قبل التجار والشركات, تسابقت دول العالم لوضع التشريعات التي تحمي المستهلك في تعاملاته وحتى لا يقع فريسة لجشع ذلك التاجر الذي استخدم وسيلة الإعلان التجاري للتحايل على المستهلك. فالمتأمل في واقع المستهلك في وطننا, وعمل بعض المقارنة بما هو موجود في كثير من الدول المتقدمة في هذا الجانب يجد أننا بحاجة ماسة إلى بعض الوسائل الفعلية التي ستؤدي بمشيئة الله إلى تقويم ذلك الإعلان التجاري بما يخدم مصلحة المستهلك ويعود بالفائدة على التاجر في المجال التنافسي, ومن أهم تلك الوسائل:

1- إصدار التشريعات التي تمس هذا القطاع من حياة المستهلك وتفعيل التشريعات والأنظمة الموجودة في هذا الجانب ودعم الجمعيات التي تهتم بحماية المستهلك وإمدادها بالوسائل المادية والمعنوية لتقوم بوظيفتها في هذا الجانب, ولنا في ذلك جمعية حماية المستهلك والتي حكم عليها بالموت قبل ولادتها لقلة الدعم المادي والمعنوي والفني الذي قدم لها سواء من قبل أجهزة الدولة أو المستهلك أو التاجر الذي سعى لتهميشها رغم أن هذه الجمعية تعد أداة من أدوات الحسبة الموجودة في الفقه الإسلامي, ولاسيما أن مثيلات هذه الجمعية في أمريكا والدول المتقدمة استطاعت أن تغرس هيبتها في نفوس التجار والمستهلكين على حد سواء باحترام قوانينها ومبادئها في حياتهم التجارية, فليس أقل لجمعية حماية المستهلك في السعودية في أن تعامل معاملة مثيلاتها من هيئات في الدولة مثل هيئة السوق المالية وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات والتي يفتخر أي شخص بالانتماء لمثل هذه الهيئات.

2- تثقيف الفرد والمجتمع على حد سواء من قبل الجهات المعنية بحماية المستهلك بسلوكيات الإعلان التجاري, ووسائل تفادي الإعلان الكاذب, فالصفقات التجارية وعمليات البيع والشراء سواء في التجارة التقليدية أو التجارة الإلكترونية تتم بين منتجين محترفين للعمل وبين مستهلك عادي لم تتوافر لديه المعلومات الكافية عن السلعة أو الخدمة التي يرغب في شرائها, ويتميز هؤلاء التجار أو المنتجون بقوة اقتصادية هائلة ودراية شاملة بكل أوصاف وطبيعة المنتج المعروض وبكافة ظروف وتفاصيل العقد الذي أبرم بناء على ذلك الإعلان التجاري, الأمر الذي يؤدي إلى عدم التوازن في العلاقات العقدية بين المنتج والمستهلك والذي ينشأ من عدم توافر الخبرة والعلم اللازمين لدى المستهلك, إضافة إلى وسائل التحايل والدعاية المبالغ فيها، الأمر الذي يولد ضغطاً على المستهلك يدفعه لشراء سلع ومنتجات على وجه السرعة, ويلتزم بالتزامات لا يدري أبعادها الحقيقية.

3- تشريع وثيقة شرف أو آداب لمهنة عمل الإعلانات التجارية تلزم التاجر أو المنتج بالالتزام بالصدق في وضع بيانات السلعة المعلن عنها بكل شفافية, وعدم حجب المعلومات والبيانات الضرورية للسلعة أو الخدمة المعلن عنها دون تحاليل أو تضليل في استخدام العبارات, وذلك حتى تظهر للمستهلك وبوضوح شديد مزايا وعيوب السلعة المعلن عنها ليقرر إن كان سيقدم على شرائها أو يحجم عنها, من ناحية أخرى مهمة فإن الإعلان التجاري قد يشتمل على مساس وتنويه غير شريف بسلع أخرى للسلعة المعلن عنها لبيان أن السلعة المعلن عنها هي الأجود والأنفع.

4- إعطاء المستهلك الذي قام بشراء السلعة بناءً على الإعلان التجاري, الحق في فسخ العقد المبرم من جانبه خلال مدة من الزمن من تاريخ تسلم السلعة, واعتبار أن عدم التطابق بين المعلومات المقدمة في الإعلان التجاري وخصائص السلعة من قبل الغش الذي يستوجب المعاقبة المهنية.مة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية