الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الصين و«جوجل».. فتح الأذهان وإغلاقها

كيشور محبوباني
الخميس 15 أبريل 2010 4:19

تحذير: عليكم بالانتباه الدائم حين تظهر قصة عن معركة بين فارس غربي أبيض، وأحد زعماء الشر الآسيويين، بخصوص نقطة مبدئية مهمة. وغالباً لا تكون الحقيقة باللونين الأسود والأبيض، حيث إنها تظل مشوهة. وينطبق ذلك على قصة جوجل في مواجهة الصين التي أسرت كثيرا من خيالات الغربيين. وظلت جوجل منذ عدة سنوات متقيدة اختيارياً بقواعد الحكومة الصينية، حيث مارست الرقابة الذاتية. غير أن هذه الشركة رأت في أحد الأيام أن هذه الممارسة ضد مبادئها الأخلاقية، وقررت بالتالي التخلي عن موقعها الإلكتروني في الصين، حيث تقدم خدماتها الآن من هونج كونج التي رغم كونها جزءًا من الصين، إلا أن لديها نظاماً قانونياً خاصاً بها.

اكتشفت جوجل بصورة غريبة أنه ما زال لديها شيء من الضمير بعد أن عرفت أن خوادم أجهزتها الحاسوبية يتم الدخول والتجسس عليها في الصين. وكان هذا الشك على نطاق واسع موضوع تغطية مكثفة من جانب وسائل الإعلام الغربية التي أكدت أن الحكومة الصينية نفسها هي التي قامت بذلك. وقد تكون تلك حقيقة بالفعل، غير أنه ما زال ينبغي التساؤل حول ما إذا كانت الحكومة الصينية هي وحدها التي تقوم بمثل هذه التصرفات. وإذا كانت حكومات أخرى تقوم بذلك، فلماذا لا يتم تفعيل معاهدة الأمم المتحدة متعددة الأطراف التي تحظر على جميع الحكومات، من غربية وآسيوية، القيام بمثل هذه التصرفات؟

غير أن السر الأكبر هنا هو: كيف تحولت قصة حول الدخول غير الشرعي على المواقع الإلكترونية إلى قصة عن الرقابة؟ ليس بالضرورة وجود رابط بين الأمرين، حيث إن حكومات غربية كثيرة تدخل على معلومات المواقع الإلكترونية، كما أن معظمها لا يمارس الرقابة، على الرغم من وجود بعض الرقابة على أحاديث التحريض والكراهية، وكذلك بخصوص إنكار حدوث المحرقة اليهودية. ولدى كل بلد خطوطه الحمراء الخاصة به. وبما أنه كان من الأسهل على جوجل أن تحرك الجانب الأخلاقي المتعلق بالرقابة بدلاً من ذلك الخاص بالدخول على المواقع، فقد اختارت أن تركز قضية خلافها على الرقابة.

دعونا نكون واضحين إزاء نقطة معينة هي أن الرقابة في أغلب الحالات أمر سيئ. وقد يكون من المبرر لدى بعض الحكومات في الحالات المتطرفة مثل تدمير الهندوس لمسجد بابري في الهند عام 1992، أن تراقب الأخبار للحفاظ على النظام الاجتماعي. ولكن يجب أن يظل ذلك، على الدوام، هو الاستثناء، بدلاً من القاعدة. ولا يمكن أن يكون هناك جدل، أو اختلاف، على هذه النقطة المبدئية.

لكن هل كان ما حرّك جوجل، بالفعل مبدأ مثاليا، أم أن تحركها هذا جاء لتعزيز مصالحها التجارية؟ بينما يعتقدون كثيرون في الغرب أن جوجل منظمة تقاتل من أجل الحرية، فإنه لا ينبغي لنا أن نغفل عن المصالح الخاصة لكل من جوجل، والصين، حيث إن أكثر ما يهم الحكومة الصينية هو المحافظة على الهدوء، والاستقرار في البلاد. وأما أقصى ما يهم جوجل، كمؤسسة تجارية، فهو زيادة العوائد، وخدمة حملة أسهمها، وبالذات المساهمين الرئيسيين، سيرغي برن، ولاري باج.

لقد ظلت جوجل تحاول زيادة حصتها السوقية في الصين منذ عدة سنوات. غير أن تلك الجهود لم تصب سوى نجاحات قليلة. وكان يمكن للشركة ببساطة أن تقبل بفشلها، وأن تحاول الاستفادة بأقصى ما يمكنها ذلك من موقف سيئ. وكان الانسحاب إلى موقع آخر، من حيث هذا المفهوم، انقلاباً تجارياً عبقرياً، حيث إنها استطاعت تعزيز علامة جوجل التجارية في مختلف أنحاء العالم، ونفى وجهة النظر التي تقول إن جوجل، شأنها في ذلك شأن مايكروسوفت السيئة في الأيام الماضية، كانت تتحول إلى كيان احتكاري عملاق. واستطاعت جوجل بحركة عبقرية واحدة أن تحول صورتها من جالوت إلى داوود. وكانت جوجل عبقرية كذلك حين سربت قصة سيرغي برن فيما يتعلق بالدخول على مواقع الإنترنت، وذكرت أنه عايش خلال طفولته حقبة من الرقابة على الأخبار في الاتحاد السوفياتي. وكان هدف ربط صورة وحوش الشر في الصين بالإمبراطورية السوفياتية واضحاً تماماً.

لذلك لن يكون من المفاجئ أن كثيراً من القراء في الغرب بدأوا في الاعتقاد بأن المجتمع الصيني عاد ثانية إلى دخول العصور المظلمة، حين عمل ضوء الحرية المتمثل في جوجل على إثارة وتحريك الصين. ولكن هل هذا صحيح بالفعل؟ فهل يمكن لبلد يزداد فيه مستخدمو الإنترنت سنوياً بمعدل أعلى من معدل أي بلد آخر أن يكون متجهاً نحو العودة إلى العصور المظلمة؟ صحيح أن هناك رقابة في الصين. ولكن هل يقبل بذلك مستخدمو الإنترنت، أم أن لديهم وسائلهم الخاصة للالتفاف على مثل هذه الرقابة؟ وقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز»، خلال الفترة الأخيرة، مقالاً لمدوِنة صينية شهيرة للغاية هي هوانج هنج التي يوجد على موقعها أكثر من 100 مليون صفحة من وجهات النظر. وقد حاولت إظهار رسالة من جانب أحد المنشقين خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي جلب ضجة كبرى في أوساط الرقابة التي تتولى متابعة ورقابة مواد مدوناتها. وقد وصفت ما حدث بقولها إنها لجأت إلى عملية من القص واللصق على موقعها من خلال تويتير، كما أن المتابعين استجابوا، وأرسلوا الرسائل، ولكن جهات الرقابة قامت بمسح كل ذلك.

بعيداً عن أن تكون عقليات الصينيين مجرد جهات خاضعة لمجتمع قمعي، فإنها تمثل بالفعل صورة حية، وقوية بطريقة لم تظهر بها منذ عدة قرون. وتبدو جهات الرقابة في وضع حرج، وبعيد عن الراحة، وقريب من الإزعاج، ولكنها لم تستطع اجتثاث الروح الصينية فيما يتعلق بالانفتاح، والتساؤل، هذه الروح التي تشهد انبعاثاً جديداً. وعلى العكس من أهدافها، فقد أدت الرقابة الصينية إلى تحفيز الشباب على البحث عن الحقائق، والتعمق في فهمها بصورة متزايدة. وهناك كثير من المصادر لمعرفة الحقيقة في عالم الإنترنت الذي يعيشه المواطنون في الصين.

لا بد من إجراء دراسة مهمة تتعلق باتجاهات كل من المواطنين الأمريكيين والصينيين تجاه الإنترنت. وما زال على الصينيين الصراع مع الجهات الرقابية، بينما لا يعاني الشباب في الولايات المتحدة من مثل هذه الأمور، إذ بإمكانهم الحصول على أي معلومات بصورة فورية. فهل يؤدي ذلك إلى تفوق في أداء الشباب في الولايات المتحدة، أو إلى روح وثّابة لديهم؟ والسؤال بصورة معكوسة هو: هل على الشباب الصينيين أن يحاولوا بجدية أعلى لأن عليهم أن يصارعوا؟ قد تكون أهم نتيجة لمثل هذه الدراسة هي أن الشباب الصينيين يعيشون في فقاعة، ويحاولون الخروج منها، بينما يعيش نظراؤهم في الولايات المتحدة في فقاعة من صنع أيديهم، ولا يرغبون في الخلاص منها.

بذلك، فإن المفارقة النهائية التي يمكن أن تنتج عن مثل تلك الدراسة هي أن أمريكا مجتمع مفتوح يطور عقولاً مغلقة، بينما يمكن أن تكون الصين مجتمعاً مغلقاً يطور عقولاً مفتوحة. وبوجود جوجل، أو عدمه، فإن انفتاح المجتمع الصيني سيستمر على نحو قوي.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: Opinion Asia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية