بين قطار الحياة وقطار الموت .. سيارات وسيارات!!

|
نورة ابنة الثماني سنوات قد حباها الله طلة كطلة البدر في ليلة مظلمة، وثغرا باسما يشرق على القلوب البائسة بفرحة غامرة، تحب اللعب مع كل أحد، تقفز هنا وتلهو هناك، وتتحرك كأجمل فراشة في الحياة لتنشر البهجة مع كل من تلعب معه، وكأنما هي منحة ربانية لإدخال السرور في قلوب كل من حولها، وأولهم والدها الذي ما إن يدخل المنزل حتى تهرول إليه ليضمها إلى صدره الأبوي مع قبلة على الجبين تجلو من نفسه كل الضغوط النفسية والتعب في البدن والروح بعد عملٍ طويل يعقبه عناء السير في طرقات العاصمة الممتلئة بزحام السيارات حتى الثمالة .. زحام!! يزكم الأنوف تلوثاً، ويملأ النفس إجهاداً .. وبعض الفوضى في القيادة والتهور واللامبالاة!! لدى بعض المربين وأولياء الأمور، فضلاً عن الشباب والمراهقين!! .. ذهبت أسرة نورة ذات ليلة لحضور مناسبة عائلية، وبينما هم في السيارة والضحكات البريئة تملؤها وتفيض منها عبقاً يعطر حتى جنبات الطريق المكتئبة، إذا بسيارة تنطلق كالقذيفة الطائشة يقودها شاب لم يبلغ 18 من عمره ترتطم بهم من الخلف لتُلجم الضحكات وتستبدل بها البؤس والآهات، ماتت نورة وانطفأت معها فرحة الأسرة الصغيرة، وانقلبت مناسبة العائلة إلى غيمة سوداء من الحزن والكآبة، حتى معلماتها وصديقاتها في المدرسة افتقدوها وحزنوا عليها .. وستظل صورتها، وهي تنشر الضحكات البريئة في كل مكان لعبت فيه في خيال أحبابها تواجههم بسؤال لا مفر منه دوماً، من قتلني؟ من اغتال الفرحة في قلوب أحبابي؟ أهو ذاك الشاب المتهور؟ أم والده الذي أعطاه السيارة؟ أم المدرسة التي لم تُّرّسخ مفهوم «أن القيادة فن وذوق وأخلاق؟» أم المسؤول الذي لم ينجح في فرض أنظمة المرور كمنظومة واحدة متكاملة لا تقبل التجزئة والتقسيط على 50 سنة مقبلة! تلك صورة لمأساة متكررة في بلادنا لا يكاد بيت من بيوتات هذا الوطن الغالي يسلم منها، إما في فقد ابن أو ابنة أو والد أو والدة أو قريب أو صديق .. وكم من أسرة أُبيدت كاملة في حوادث السيارات .. قطار من الموتى والجرحى والمعوقين لا ترى له بداية، ولست أرى له مع حالنا هذه وأسلوبنا في إدارة الأزمة نهاية!! .. وبشكل عام يفيد أحد تقارير منظمة الصحة العالمية الصادر في إطار»أسبوع الأمم المتحدة العالمي الأوّل للسلامة على الطرق» في 23 إلى 29 نيسان (أبريل) 2007 بأنّ حوادث المرور عالمياً هي أهمّ مسبّبات الوفيات في أوساط الشباب الذين تراوح أعمارهم بين عشر سنوات و24 سنة. حيث تتسبّب سنوياً في قتل ما يقارب 400 ألف شاب تقلّ أعمارهم عن 25 عاماً، وفي إصابة الملايين من الشباب الآخرين أو إعاقتهم. فيما يشير تقرير نشر في صحيفة «الرياض» في عددها 15252 ليوم الأحد 12 ربيع الآخر 1431هـ إلى أن الإدارة العامة للمرور في السعودية تنفي صحة ما ذكره تقرير منظمة الصحة العالمية بأن السعودية سجلت أعلى نسبة وفيات عالمياً في حوادث الطرق، حيث وصل معدل الوفيات فيها إلى 49 وفاة لكل 100 ألف من السكان خلال عام 1429هـ، بينما تؤكد أن عدد الوفيات بسبب حوادث السير وفقاً للإحصائية التي أصدرتها وزارة الصحة السعودية عام 1429هـ بلغ 6458 وفاة فقط أي ما يعادل 27 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة في السعودية، وهذا الرقم يظل مرعباً إذا ما قورن بالنسب نفسها لبعض دول أوروبا الغربية مثل سويسرا التي بلغ فيها المعدل نفسه 4.9 شخص متوفى لكل 100 ألف، وفي ألمانيا بمعدل ستة أشخاص لكل 100 ألف رغم أن السرعة على الطرق السريعة في ألمانيا مفتوحة. ومن جهة أخرى، وفقاً لتقرير صحافي آخر أعلن مدير الإدارة العامة للمرور اللواء سليمان بن عبد الرحمن العجلان أن مناطق المملكة شهدت خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من 1.9 مليون حادث مروري أصيب فيها 177 ألفاً، كما لقي أكثر من 30 ألف شخص مصرعهم جراء تلك الحوادث المرورية الأليمة. وفيما أشيد بجهود قيادتنا الكريمة التي تستشعر هذه المشكلة الوطنية الضخمة وتبذل الجهود في توسعة الطرق وزيادة الرقابة على السرعة أو تجاوز الإشارة عبر الجهود الكبيرة لرجال المرور، والإسعاف، والدفاع المدني، وعبر تفعيل أنظمة ساهر الآلية، وهذا كله محل التقدير والإجلال والاحترام، ولكنه في رأيي المتواضع علاج مؤقت ومسكن لا يدوم .. لأنه يحل المشكلة من جوانب محدودة فقط، ويغفل أو يؤجل الحل من جوانب أخرى كثيرة لا تقبل التأجيل، لأن المزيد من الطرق السريعة داخل المدن يتطلب بحسب النظام المتبع في الرقابة مزيدا ثم مزيدا من رجال الشرطة ودوريات المرور مع تلك الأعداد القليلة من الكاميرات والأدوات التقنية الأخرى، كما أنه يخفف الزحمة لسنتين أو ثلاث حتى تمتلئ الطرق من جديد مع الزيادة المطردة في نسبة النمو السكاني، ومعها تزيد الحوادث والضغوط النفسية والهدر الاقتصادي الكبير، وفي رأيي الشخصي هناك حقيقة لا بد أن تكون دائمة الحضور في أذهان من يناقش المسألة في أي محفل أو اجتماع رسمي أو ثقافي وهي كما يلي: 1- أنه لا توجد في مدننا الكبرى سوى وسيلة نقل واحدة بعكس كل مدن العالم التي يوفر بعضها أكثر من أربع أو خمس وسائل نقل عامة وخاصة (السيارة والدراجة النارية والهوائية والقطار الأرضي والقطار المعلق والباصات المائية وهناك أنواع مختلفة أيضاً مما ذكر). 2- أن مفهوم امتلاك سيارة خاصة وقيادتها شخصياً أو بواسطة سائق أصبح مبدأ وثقافة لا تقبل النقاش في نفس كل شاب وشابة، بل حتى كل مقيم مهما بلغ دخله المالي أو منزلته الاجتماعية .. ولم لا؟! إذا كانت هذه وسيلة النقل الوحيدة في مدن تكبر وتشيخ وتتجاوز بمساحاتها بعض الدول!! 3- إن توفير ممرات للدراجات وقطارات كهربائية عصرية داخل المدن بأنواعها المناسبة لطبيعة مدننا الكبرى مثل الرياض، وجدة، ومكة، والمدينة، والدمام، والخبر، وأبها، وما بحجمها لا يتوقف على تخفيف الزحمة والاختناقات والحد من الحوادث المرورية فقط، وإنما يتجاوز ذلك في تخفيض ارتفاع درجة الحرارة داخل المدن، ونسب تلوث الجو بالرصاص وثاني أكسيد الكربون الملوث أصلاً بمداخن مصانع الأسمنت والمصافي والعواصف الترابية وغيرها، وتلك عوامل تفتك بصحة المواطن والمقيم من حيث يشعر أو لا يشعر، وهي صورة حقيقية من صور الموت البطيء. 4- وفيما يقدر العقيد عبد الرحمن المقبل مدير مرور منطقة الرياض حجم الخسائر الناتجة عن الحوادث المرورية بنحو 13 مليارا في السعودية، فأرى أن الأمر يتجاوز ذلك المبلغ بكثير إذا ما أضفنا إليه التكاليف غير المباشرة نتيجة الزحام وحوادث المرور مثل قلة الإنتاجية والهدر في أوقات الموظفين والمستخدمين في القطاعات الحكومية، وكذلك ضعف القدرة التسويقية والتوزيع في القطاعات الخاصة، إضافة لذلك الآثار النفسية من قلق ورهبة وشعور بالملل والاكتئاب وما يخلفه أيضاً من آثار في جودة ومقدار الإنتاجية في العمل بشكل عام. ختاماً، إن منهجية العمل وأدواتها المتبعة لحلحلة أزمات الزحام وكثرة الحوادث وما تخلفها مجتمعة من خسائر في الأرواح والممتلكات وهدر في مكتسبات الوطن البشرية والمادية، لن تؤتي ثمارها ما لم ننظر للمشكلة من منظورها العام، ونسعى بشكل حثيث ومتزامن لحلها في كل الاتجاهات التوعوية، والتنظيمية، والرقابية، والتنفيذية، إضافة إلى إصلاح وتوسعة الطرق وتوفير بدائل النقل الأخرى من قطارات كهربائية متطورة صديقة للبيئة تحفظ ــ بإذن الله ــ للناس حياتهم وهدوءهم النفسي. ودمتم بخير وسعادة.
إنشرها