الأربعاء, 7 أكتوبر 2026|24 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في نهاية العام الماضي، أعطى وزراء مالية الاتحاد الأوروبي الضوء الأخضر لتأسيس بنية إشرافية للأسواق المالية في الاتحاد الأوروبي. والآن يرجع الأمر إلى البرلمان الأوروبي لمعالجة هذه القضية الشديدة الحساسية، والتي يتعلق الجزء الأكثر إثارة للجدال منها بالصلاحيات والمسؤوليات التي ينبغي أن تعطى للهيئات الإشرافية الأوروبية الجديدة الثلاث المسؤولة عن الإشراف على الأعمال المصرفية، والأوراق المالية، والتأمين.

إن القرار الذي سيتخذه البرلمان سيكون له أبعد الأثر على كيفية إدارة الموارد المالية في أوروبا لسنوات عديدة مقبلة. ورغم أن البعض يشتكون من أن تسوية كانون الأول (ديسمبر) فيما يتصل بالتنظيم المالي لم تذهب بعيداً بما فيه الكفاية، فإن هناك من يزعم أن العكس هو الصحيح.

كانت نقطة انطلاق هذه التحول الأساسي في السياسة راجعة إلى التقرير الصادر في أوائل عام 2009 عن محافظ البنك الفرنسي المركزي السابق ورئيس صندوق النقد الدولي سابقاً جاك دي لاروسييه. ولكن هذا التقرير تجاهل عديدا من القضايا الحيوية التي تم تجاهلها أيضاً على نطاق واسع في المناقشة التي أعقبت ذلك حول الإصلاح المالي.

وكما أظهرت الأزمة التي بدأت في عام 2008، فهناك عدد أكثر مما ينبغي من المؤسسات الإشرافية والتنظيمية التي تراقب عمل الأسواق المالية الأوروبية - ما يقرب من الـ 70 في الاتحاد الأوروبي ككل. ومن الواضح أن دي لاروسييه، والمناقشة السياسية التي تبناها، تجاهلا تمام التجاهل ضرورة تبسيط وتوحيد المؤسسات على المستوى الوطني أولاً، ثم ربما بعد ذلك بناء هيئة فوق وطنية على هذا الأساس. وبدلاً من ذلك فها نحن نبدأ الآن مباشرة ببناء ما سيشكل مؤسسة أوروبية شاملة جديدة تماماً.

وهذه في الواقع استجابة بيروقراطية كلاسيكية, ففي مواجهة المشكلات ما عليك إلا أن تبني مؤسسة جديدة. ولكن يا له من خطأ. فإذا ما اكتفينا بإضافة مؤسسات جديدة إلى الترتيبات المؤسسية شديدة التعقيد بالفعل في بلدان الاتحاد الأوروبي، فسنفشل في تعزيز الفاعلية، والمرونة، وسلاسة انتقال المعلومات عبر النظام الإشرافي على مستوى الاتحاد الأوروبي.

ولنتذكر هنا بداية الأزمة, فبنك نورثرن روك البريطاني، على سبيل المثال، يُنظَر إليه الآن باعتباره مثالاً شهيراً للكيفية التي قد يقودنا بها ضعف الاتصالات وتبادل المعلومات بين ثلاث سلطات وطنية فقط إلى المزيد من تعقيد الأمور. يتعين علينا أن نبدأ بالجهات الإشرافية الوطنية (كما تفعل ألمانيا الآن بحكمة)، ثم نذهب إلى المستوى الأوروبي إذا لزم الأمر، وليس العكس.

كما يفشل النموذج التنظيمي الجديد في معالجة الضعف المستمر الذي تعانيه السوق المالية الأوروبية المشتركة: والذي يتمثل في كيفية تحمل التكاليف (أو تقاسم الأعباء) حين يفلس أحد البنوك المتعددة الجنسيات. ولا بد أولاً من التوصل إلى حل شامل قبل إنشاء مؤسسات أوروبية جديدة.

ونحن الأوروبيين قد نقول بفخر إن لدينا سوقا مالية موحدة، ولكن يبدو أنها مصممة للعمل في الأوقات الطيبة فقط. أما في الأوقات العصيبة فإن دافعي الضرائب الوطنيين هم من يتحملون ثمن أي متاعب تنشأ في أي قطاع مالي، وذلك ناتج عن عدم وجود نماذج أوروبية شاملة معقولة لدافعي الضرائب أو لتقاسم الأعباء. ولكن من الصعب أن نتقدم إلى الأمام من دون الاستعانة بمثل هذه النماذج.

في حزيران (يونيو) الماضي تم الاتفاق على مستوى الاتحاد الأوروبي على أن القرارات التي تتخذها المؤسسات الأوروبية لا ينبغي لها أن تصطدم بسيطرة الدول الأعضاء على سياساتها المالية. ولكن كيف يمكن التوفيق بين هذا والتنظيم الأوروبي الشامل؟ هذا سؤال تصعب الإجابة عنه. إن عديدا من القرارات التي من المفترض أن تتخذها المؤسسات الأوروبية الجديدة قد تنطوي على تكاليف لن تظهر إلا في وقت لاحق.

وهنا سنجد مفارقة مثيرة للاهتمام. إن العديد من الخدمات اليومية العابرة للحدود، والتي تتراوح من نقل البضائع إلى تصفيف الشعر، تواجه عقبات وقيود كبرى. ورغم ذلك فإذا ما أفلس مقدم مثل هذه الخدمات أو واجه المتاعب، فمن غير المرجح أن تدعى أي حكومة وطنية لإنقاذه.

وعلى النقيض من ذلك فإن البنوك وغيرها يمكنها استخدام ''جوازات سفر'' أوروبية لتقديم الخدمات المالية ـ وهو ما يحمل في طياته عواقب ضمنية ضخمة يتحملها التمويل العام ـ في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي. وهي فكرة طيبة، ولكنها غير ناضجة: فهي تفشل في تحديد دافعي الضرائب الذين من المفترض أن يدفعوا الثمن إذا حدث خطأ ما وأراد المدخرون استرجاع أموالهم، كما حدث مع البنوك الإيسلندية في المملكة المتحدة، وهولندا، بل وحتى سويسرا.

ما دامت هذه القضايا الحاسمة لم تُحَل، فإننا نخلق نظاماً أوروبيا شاملاً ينتهك القاعدة الذهبية التي ينبغي لأي تصميم مؤسسي أن يتقيد بها: فالقرارات لابد أن تتخذ بواسطة هؤلاء الذين يتحملون المسؤولية والذين يتعين عليهم في النهاية أن يدفعوا. ونظراً للسلطة المفرطة على المستوى الأوروبي، فإن السلطات الوطنية ستكون مسؤولة أمام مواطنيها وستُرغَم على دفع الفاتورة، ولكنها رغم ذلك ستفتقر إلى السلطة. وفي المقابل، فإن المؤسسات الأوروبي لن تتحمل التكاليف ولا المسؤوليات، ولكنها رغم ذلك ستتخذ القرارات.

والمزعج في الأمر أن السلطات التي تتمتع بها هذه المؤسسات ستزداد. ذلك أن الهيئات الثلاث الجديدة لن تكتفي بفرض معايير فنية مشتركة، وهو ما قد يصبح ملزماً في النهاية في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي إذا صدقت عليه المفوضية الأوروبية، بل سيسمح لها أيضاً بتسوية النزاعات بين الجهات الإشرافية الوطنية.

والأهم من ذلك أن المجلس إذا أعلن حالة الطوارئ المالية ـ كتلك التي نمر بها حالياً ـ فإن هيئات الاتحاد الأوروبي قد تصبح بشكل استثنائي في موقف يسمح لها بالهيمنة على السلطات الإشرافية الوطنية. وغني عن القول إن ''النزاعات'' و''الطوارئ'' هي على وجه التحديد المواقف التي من المرجح في المستقبل أن تشكل القدر الأعظم من الأهمية بالنسبة لصناع القرار السياسي ودافعي الضرائب على المستوى الوطني.

إذا كانت القرارات بشأن المؤسسات المالية الوطنية المهمة تتخذ على المستوى الأوروبي في الأوقات الطيبة، في حين يتحمل دافعو الضرائب الوطنيون العواقب في الأوقات العصيبة، فهذا يعني أن الاتحاد الأوروبي برمته سيخسر. ففي الأوقات الطيبة ربما لا يكون بوسعنا أن نميز الفارق على الأرجح، ولكن الواقع المرير هو أن مثل هذه الترتيبات من غير المرجح أن تمنع وقوع أزمة أخرى. لماذا إذاً يحاول الاتحاد الأوروبي بناء البيت بداية من السقف؟

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية