الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

العودة إلى المستقبل بالنسبة إلى الهند

سوبرا فانيان
الاثنين 12 أبريل 2010 3:11

إن حكومة مانموهان سينج الحالية غير قادرة على قبول رؤية أول رئيس وزراء للهند، جواهر لال نهرو، بأن مصيرها وعظمتها يكمنان في متابعة سياسة ''الاستقلال الاستراتيجي''. وتم اتخاذ العلاقات الودية الاستثنائية بين الهند والولايات المتحدة، على وجه الخصوص خلال الفترة الثانية من رئاسة جورج دبليو بوش السابقة، على أنها من الثوابت من جانب رئيس الوزراء الهندي، الحزين بسبب التباعد في المسافة في العلاقات الهندية – الأمريكية في ظل رئاسة باراك أوباما.

من أجل التأكيد، قام أوباما بمنح مانموهان سينج ميزة كونه أول ضيف على الدولة بعد تنصيبه، ولكن أهانه بعد عدة أيام بخصوص مسرح عمليات أفغانستان – باكستان، حين أبلغ جمهورا في ويست بوينت قراره بالانسحاب من أفغانستان ابتداء من تموز (يوليو) 2012، في الوقت الذي كانت تلح فيه الهند على أمريكا من أجل البقاء في تلك البلاد. وتم كذلك تهميش الهند في مؤتمر لندن حول أفغانستان حين فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الجيد والسيئ في خطة طالبان، على الرغم من الانزعاج الهندي العميق إزاء مثل ذلك التمييز، وحيث إن من شأن ذلك أن يساعد إسلام آباد استراتيجياً في كابول ضد دلهي.

مقابل المساعدة الباكستانية لتسهيل انسحابها من أفغانستان، وافقت الولايات المتحدة على تصدير أنظمة أسلحة كبرى إلى باكستان، بما فيها طائرة إف – 16 ذات قدرة على حمل أسلحة نووية، ومعدات توجيه دقيق، متجاهلة الاحتجاجات من جانب الهند بأنه سيتم نشرها ضدها. وللتأكيد على خطورة التهديدات بسبب تلك الصادرات، حذرت الهند الولايات المتحدة من عدم التفكير في طائراتها إف 16، و إف إيه 18 ضمن صفقتها الكبيرة لشراء طائرات خطوط أمامية. وذكرت أن منافسيها الآخرين هم روسيا وفرنسا والسويد. وكما لو أنها تريد مراضاة الهند، وافقت الولايات المتحدة على اتفاقية إعادة تصنيع تأخر تنفيذها فترة طويلة، وكانت جزءاً من الصفقة النووية الهندية - الأمريكية. ولكن بالكاد هناك أي ابتهاج في الهند، والسبب جزئياً هو أن روسيا وفرنسا سرقتا السباق من الولايات المتحدة كموردتين لمفاعل الطاقة، و/ أو الوقود النووي. وكذلك الأمر، يبدو أن حزب المؤتمر الحاكم أدرك المناهضة المتزايدة لأمريكا بين أفراد الطبقة الوسطى التي كانت خلف انتصاره في الانتخابات العامة في عام 2009، ولا يريد أن يزيد المسائل سوءاً.

يبدو أن الطبقة الوسطى منزعجة عموماً من اتساع الفجوة في العلاقات الهندية – الأمريكية في ظل رئاسة أوباما الذي استهدف كذلك التعهدات المقدمة إلى الهند في خضم قلقه بشأن الاقتصاد الأمريكي. ولكن على وجه الخصوص، فإن الطبقة الوسطى تلوم الولايات المتحدة لحمايتها جاسوسها، وإرهابي لاشكاري – توبيا، الأمريكي من أصل باكستاني، ديفيد كولمان هيدلي، الذي قام بعدة رحلات إلى الهند لتسهيل مذبحة مومباي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008. ولخوفها من أن ينظر إليها على أنها مؤيدة للولايات المتحدة عند مفترق الطرق هذا، فإن قيادة حزب المؤتمر أجبرت مانموهان سينج على تأخير مناقشة قانون المسؤولية القانونية النووية في البرلمان، والذي يغطي المكافآت، وشركات الصناعة التي تنفذ المشروع. واحتشدت أحزاب المعارضة ضد القانون لأنه مصمم تحديداً لحماية مصالح شركات صناعة مفاعل الطاقة النووية الأمريكية.

بعد الاستقلال الهندي مباشرة، حين بدأت الحرب الباردة تشتد، وضع نهرو حداً للانجذاب الطبيعي الذي كان يشعر به تجاه الولايات المتحدة بمناقشة سياسة ''الاستقلال الاستراتيجي'' للهند. ولم يكن يرغب في جر الهند إلى أي من المعسكرات المتضادة في الحرب الباردة، وكذلك بسبب الخوف من الصين بعد أن أجبرته حرب عام 1962 الخاسرة على تسريع أبحاث الطاقة الذرية التي توجب أن يكون هدفها النهائي هو الردع، على الرغم من أن ذلك اتخذ شكلاً تدريجياً بواسطة تجربتين ذريتين تم تنفيذهما في عامي 1974 و1998. ولم تكن لدى نهرو، وخليفته أنديرا غاندي، أوهام بشأن الروابط الودية مع أمريكا التي كانت حليفتها في الحرب الباردة باكستان، الأمر الذي كان يعني أن مسألة كشمير كانت تبرز في كل مناسبة. وتراجعت الروابط الهندية – الأمريكية حينما تم تأسيس بنجلادش من رحم باكستان الشرقية، حين حث هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي في رئاسة نيكسون، الصين على مهاجمة الهند. كما أبحر الأسطول السابع النووي الأمريكي باتجاه خليج البنغال لإخافة الهند. أسهمت نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد الروسي في القضاء على شبح التهديدات التي كانت تراها الولايات المتحدة من جانب الهند، وجعلتها غير ذات صلة بالحسابات الاستراتيجية الأمريكية، فيما عدا ثلاثة تطورات. فقد أطلقت الإصلاحات الاقتصادية الهندية في عام 1991 العنان للعبقرية الاستثمارية التي أسهمت في تمكين البلاد من تحقيق معدل نمو بلغ 8 في المائة خلال عدة أعوام سابقة، الأمر الذي جعلها منافساً قريباً للصين. وكان التطور الثاني نهضة الصين. وكان التغيير الأخير هو ظهور عالم غير قطبي كان بإمكان القوة العظمى لأمريكا أن تسرع تراجعه على نحو يدعو إلى المفارقة. وليس من الواضح ما إذا كان جورج دبليو بوش قد قدم الصفقة النووية الهندية – الأمريكية لكي يبتكر زاوية استراتيجية هندية في مواجهة الصين، على الرغم من أنه سبق الصفقة إطار اتفاقية دفاعية كانت أحجار الزاوية فيها الانضمام إلى التدخلات الخارجية الأمريكية، والعمل معاً بشكل متبادل. وكان اليسار يدعم الحكومة الأمريكية خلال الجانب الأكبر من هذه الفترة، وبالتالي لم يكن بالإمكان تحقيق أهداف الولايات المتحدة على الإطلاق. وإذا كان مانموهان سينج ميالاً إلى مثل ذلك التقارب مع أمريكا، فإن انتخاب أوباما أفسد الصورة. غير أن كاتب هذا المقال ليس ميالاً إلى لوم أوباما بقدر الهند بسبب الصعوبات الحالية التي تواجهها الأخيرة مع الولايات المتحدة. وكان مانموهان سينج يأمل في أن تتمكن الولايات المتحدة من جعل الهند قوة عظمى، كما أفضت إليه وزيرة خارجية بوش، كوندوليزا رايس أثناء زيارتها في عام 2005، أثناء التمهيد للصفقة النووية. وتمثل الاختبار الواضح للتعهد الأمريكي في جعل الهند قوة فيتو دائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، غير أن واشنطن قاومت الأمر، ورفضت لاحقاً الأمر بشكل صريح. وخلال فترات طويلة من تاريخها أثناء الحرب الباردة، ولاحقاً كذلك، لم تكن للولايات المتحدة مصلحة في استغلال أي من الأنظمة الديمقراطية، ما لم تكن تلك الأنظمة ضمن حلفائها المطيعين، مثل دول الناتو بقيادة بريطانيا، وفضلت التعامل مع أنظمة دكتاتورية مثل باكستان والصين في الماضي، ومرة أخرى في وقتنا هذا. وتأتي مجموعة الاثنين التي تضم الولايات المتحدة والصين، على الرغم من أنها لم تنطلق بعد، من ذهنية الحرب الباردة ذاتها.

إذا كان مانموهان سينج مدركاً لجميع هذه الخلفية، فإنه يختار أن يكون واضحاً إزاءها، وتجاهل بشكل واضح حكمة رئيس الوزراء المؤسس، نهرو الذي كان يملك بصيرة قوية في سياسات القوى العظمى. ولو لم تنحرف الهند عن أهداف الاستقلال الاستراتيجي الخاصة بها، كان من الممكن قبول تقارب سنوات بوش، وتباعد إدارة أوباما بشكل طبيعي. وأما الآن، فإن المشاحنة ضد أمريكا لن تغير الوقائع القاسية. فأمريكا تعود إلى الانعزالية النسبية في ظل رئاسة أوباما لتمنع تراجعها، وتوحيد قوتها، والعودة مرة أخرى إلى مركزها القديم، وهو أمر لا يبدو محتملاً. والعالم الآن في وضع بعيد عن الاستقطاب، والصين الناهضة أمر واقع. ولحسن الحظ، فإن الهند تنمو بفضل عبقريتها الخاصة، ومستقبلها مضمون إذا استغلت استقلالها الاستراتيجي.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: Opinion Asia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية