تحصيل الحقوق المالية لخزانة الدولة يحتاج إلى نظام يفعّل سداد تلك الحقوق المالية, سواء كانت عقوبات مالية أو غرامات أو رسوما أو متأخرات أو غيرها من الحقوق التي قد تترتب في ذمة الأفراد أو المؤسسات أو الشركات. ودرس مجلس الشورى ما تعانيه تلك الحقوق المالية من ضعف في تحصيلها, ما يتطلب أن تتم صياغة مشروع نظام لمعالجة موضوع تحصيل تلك الحقوق وتوريدها لخزانة الدولة, ووضع قواعد عامة ملزمة لجميع الجهات الحكومية وموظفيها المختصين في مهمة التحصيل والمتابعة, وإيجاد حوافز مالية لتحقيق الفاعلية اللازمة لذلك.
إن مشروع نظام إيرادات الدولة يتكون من 31 مادة تعالج مسألة في غاية الأهمية, وهي الرقابة على إيرادات الدولة, وتحديد مهمات ومسؤوليات الجهات الموكل إليها تطبيق النظام, في حال إقراره, الذي يستهدف الإسراع في تحصيل حقوق الدولة المالية على الأفراد والمؤسسات والشركات, وتحسين الأداء والفاعلية بما يحقق تطوير أدوات ووسائل التحصيل وتحفيز الموظفين العموميين لتحقيق أهداف النظام مع مراعاة تعدد الجهات الحكومية التي تقوم بجباية أموال الدولة, واختلاف ذلك من جهاز إلى آخر.
من المؤكد أن النظام ـ عند إقراره ـ سيكون أداة قانونية مهمة وخطوة فاعلة للإصلاح الاقتصادي ولسياسات الدولة المالية، ووافق مجلس الشورى على صيغة مشروع النظام بعد دراسة مستفيضة وتدقيق في مدى مراعاة مشروع النظام الأساليب الحديثة في المرونة والتحفيز الملائم من خلال إقرار مواد تعطي مكافأة بنسبة أو براتب سنوي مقابل الأداء الجيد للموظف ودعم بنود ميزانية الجهاز القائم بتحصيل حقوقه المالية من المدينين.
من الواضح في صياغة مشروع النظام أنه يأخذ ببعض المفاهيم المطبقة في تحصيل الديون والحقوق المالية في القطاع الخاص وبمفاهيم تجارية بحتة تراعي متطلبات تحصيل الديون المعلقة أو المتعثرة وكيفية إدارتها وطرق تحصيلها والتفاوض والتسوية المالية لها مع تعدد الوسائل الإجبارية الإلزامية التي تستطيع الجهات الحكومية اتخاذها, ولكن ليس هناك توجه نحو فرض قيود شديدة لتحصيل الديون، وهذا واضح من مشروع النظام الذي يتيح الفرصة للإعفاء من الدين في الحالات الحرجة أو تقسيطه, وفق صلاحيات تعود لوزارة المالية في بعض الحالات التي تتطلب مراعاة حالة المدين.
إن خدمة تحصيل الديون أصبحت عملا تجاريا وخدميا له مؤسسات ومكاتب متخصصة تحقق إيرادات عالية تعود بالنفع على صاحب الدين, سواء كان بنكا أو شركة أو جهة حكومية, علما بأن هنا فوارق في أسباب وجود ديون للقطاع الخاص وديون للجهات الحكومية فهناك أسباب إدارية تغلب على معظم الديون للحكومة على المدينين, وهي تعود إلى عدم المتابعة والروتين وأهم من ذلك عدم إلزام كل جهة بتحصيل حقوقها أو تقديم تقرير دقيق بأسباب الفشل في تحصيلها, إذ ليست هناك رقابة صارمة على الأداء في التحصيل ومتابعة التسديد. كما أن عدم وجود تقييم ذاتي لكل جهاز حكومي على أداء موظفيه وإداراته تجاه تحصيل حقوق الجهاز الحكومي, وذلك التعاطف غير الظاهر في مراعاة وضع المدين لمجرد أنه مواطن أو مقيم حتى إن كان مليئا فما دام الدائن جهازا حكوميا فإن التكاسل نتيجة حتمية تؤدي إلى عدم المطالبة الجادة أو التراخي فيها.
إن ثقافة جديدة خلقتها تبعات الأزمة المالية العالمية لدى الجميع وفرضت التحرك من خلال قنوات ملائمة, فالقطاع الحكومي لديه وسائل تشريعية لا يملكها القطاع الخاص. ومن هذا المنطلق, فإن لدى القطاع الحكومي قدرة على اختيار وسائل أكثر فاعلية وتأثيرا في التحصيل متى وجدت الإرادة الكافية للتحرك, ومع الإيمان بأن هناك وسائل مادية صارمة إلا أن روح التعامل الحكومي لن تفتقد النظرة إلى المدين بأنه عميل أو ملتزم بعقد أو نحوه, ما يفرض دوما التعامل معه بصفته عميلا, وهو ما كان واضحا من نصوص مشروع النظام وروحه.
