كاريكاتير متميز، لخص لنا مستقبل الهرولة العربية تجاه السلام مع الدولة الرافضة للسلام، حيث يلتزم فيه زعيم الدولة العبرية (النتن ياهو) وإلى الأبد بالاستمرار في بناء المستعمرات داخل الأراضي العربية التي يحلم المفاوض الفلسطيني في الحصول عليها، وكذلك وزيرة الخارجية الأمريكية فإنها ملتزمة بثبات بأمن إسرائيل، أما المفاوض العربي فهو ملتزم بشدة بسراب السلام الخادع الذي لن يتحقق.
هذا الكاريكاتير يشرح بتلخيص النفاق الأمريكي تجاه القضايا العربية، بل إنه أحرج حلفاءه العرب الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل تلك الصداقة التي اُجبروا عليها، حتى أنهم لم يسمحوا لأحد من مواطنيهم (وبحكم الرأي الأوحد) من انتقاد مبدأ السلام. لقد عبر عن ذلك أمير دولة قطر الشيخ حمد آل ثاني (الرئيس السابق للمجلس) خلال مؤتمر القمة في سرت حيث قال: «لن نخدع أنفسنا، العمل العربي في أزمة شديدة، لن نقدم للأمة تقريراً عن أعمال القمة السابقة، لأننا لم نحقق أي إنجازٍ على مستوى القمة، وكل الجهود في هذا الشأن ليست مُرضية، فهل يُعقل أن نكتفي بالشجب والإدانة لكل ما يجري في القدس وما يواجه الأقصى؟ هل يصدق أحد من الخلق أننا نحن قادة هذه الأمة العريقة غير قادرين على رفع الحصار عن قطاع غزة منذ أكثر من ثلاث سنوات متتابعة؟» فهذه التصريحات تعبر عن حالة اليأس التي انتقلت من الشعوب إلى القادة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح لكل القيادات العربية، كيف نتخلص من اليأس الذي بلغ تأثيره في وحدة الأمة العربية، وبدأ يستشري في تفتيت دولها الواحدة تلو الأخرى؟ كل ما نحتاج إليه للقضاء على ذلك اليأس الشعبي أن تكون هنالك قرارات شجاعة وصادقة من القادة العرب، فالغرب لا يحترم الضعيف، ولا يقدر مواقفه الإنسانية بل يعتبرها نوعاً من حق القوي على الضعيف، وخير تجربة على ذلك، كيف أن تركيا كانت تتسول صوب الدول الغربية للدخول في الاتحاد الأوروبي، وكانت النتيجة على الرغم من كل التنازلات التركية أن قوبلت برفض عنصري عقائدي واضح. لكن ما إن أعطت تركيا ظهرها للغرب واتجهت لمطلع الشمس وخلال فترة قصيرة جداً، تحولت تلك الدولة من دولة انقيادية إلى دولة قيادية مؤثرة، فهم استفادوا من موقعهم اللوجستي الرابط بين الشرق والغرب، وامتدادهم العرقي والثقافي.
ومن أهم اللقطات التي نتمنى أن يقوم بها المفاوض الفلسطيني، تصرف الحكومة التركية خلال الإهانة التي تعرض لها سفيرهم في تل أبيب، لقد أجبر اعتزازهم بكرامتهم الحكومة الصهيونية على الاعتذار من الحكومة والشعب التركي.
ومن الأمور التي تجعل المفاوض العربي أكثر تأثيراً، عدم الإصرار على السير باتجاه واحد، فحرب الاستنزاف بعد هزيمة العرب في حزيران 1967 م وما تمخض عنها من انتصار العرب في حرب أكتوبر 1973 م جعلت الحكومات العربية أكثر قوة وانقشع شيء من حالة اليأس بعد الهزيمة، بل إن دولة العصابات كانت هي التي تبحث عن السلام بكل ثمن، لذا فلا يمكن فصل خيار المقاومة والتسلح عن مباحثات السلام، فهذا حق وواجب فرضه ديننا الحنيف وكرامتنا الوطنية، كما أنه من أعراف جميع الأمم منذ العصور الحجرية، فالمفاوض العربي الذي أصبح حارساً لدى الحكومة الإسرائيلية أو معتمداً على المساعدات الأمريكية أصبح غير مؤهل في الدفاع عن أراضي الأمة ومقدساتها.
وحتى ينجح المفاوض العربي فإنَّ على الحكومات العربية أن توقف تلك الهرولة نحو ما يسمى بالسلام لأنه لا يعدو كونه سراب بقيعة، فإسرائيل لا تريد الانفتاح لأنها دولة عنصرية بل إن ذلك يعد نهاية لها، ولا أدل على ذلك من التشريع الذي صوت عليه أخيراً في (الكنيست) حول يهودية الدولة، لذا لا يمكن تحقيق سلام دائم في المنطقة إلا بوجود مفاوض لديه مؤهلات أساسية أهمها الكرامة والاعتزاز بالهوية والحفاظ على خيار المقاومة، التي لا يمكن ربطها أو تسميتها بالإرهاب كما يريد العدو المحتل وإعلامه المسيطر على مفاصل وقرارات الدول الكبرى.
