لم تُضيع اليابان وقتاً بعد خروجها أشلاء من جراء الحرب العالمية الثانية وشرعت فوراً في رسم سياسات اقتصادية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى وتطبيقها حسب المراحل الثلاث التالية:
- إعادة بناء ما دمرته الحرب (1945 - 1960م).
- فترة اللحاق بالركب الاقتصادي (1960 - 1968م).
- تبوؤ المركز الثاني عالمياً (1968 - 2010م).
أولاً: شهدت مرحلة إعادة البناء ولادة عدد من الهيئات الحكومية وشبه الحكومية مثل مجلس السياسات الاقتصادية والمالية ومجلس الصادرات كجزء من مجلس الوزراء وهيئة الصناعة ضمن وزارة التجارة الدولية والصناعة والمنظمة اليابانية للتجارة الخارجية، تعمل جميعها على تطوير السياسات الاقتصادية وترشيد القطاعات الإنتاجية وتشجيع الصادرات.
وبخلاف التوقعات، حقق الاقتصاد الياباني معدلات نمو سنوية بلغت 10 في المائة نتيجة طفرة في الإنفاق الحكومي لإعادة بناء البنية التحتية وتزايد الطلب على قطاع الهندسة والمقاولات وبناء السفن وتحديث القطاعات الإنتاجية ضمن برنامج أولويات عُرف حينها باسم Priority Production System تُركز فيه الحكومة على قطاع أو اثنين في كل فترة زمنية.
جدير بالذكر أن الشركات اليابانية رفعت حينها شعاراً يدعو إلى وضع خدمة الأمة فوق كل اعتبار وشرعت في تطوير قدراتها لتوفير مواد الخام والتقنيات والمعدات الضرورية لتلك المرحلة من مصادر خارجية مثل قيام شركة نيشو باستيراد أول مفاعل نووي لتوليد الكهرباء لحساب مجموعة شركات مكونة من فوجي للكهرباء كوبية للحديد وكواساكي للصناعات الثقيلة.
وفي مشهد ياباني مكرر، تتم عمليات الاستيراد في أضيق الحدود وبشكل مؤقت حتى تتمكن الشركات اليابانية من استيعاب التقنيات الأجنبية وتصنيعها محلياً لإحلال الواردات والتصدير إلى الأسواق العالمية.
وقد أسهمت عدة عوامل في تعزيز الصادرات اليابانية مثل سياسة تثبيت سعر صرف الين عند 360 للدولار الواحد وتوفير حوافز حكومية كالتسهيلات التمويلية والضرائبية وضمان الصادرات والاستثمارات الخارجية مع إعطاء دور أكبر للشركات التجارية العملاقة مثل: ميستوبيشي ومتسوي وسوموتومو.
ثانياً: مرحلة إعادة البناء أعقبها مباشرة سعي اليابان للحاق بالركب الاقتصادي حيث انتشر لفظ catch-up في أوساط المجتمع كهدف أساسي للمرحلة.
وتميزت هذه المرحلة بنمو سريع في معدلات الناتج المحلي الإجمالي بلغ 12 في المائة من جراء ارتفاع غير مسبوق في الاستثمارات الصناعية والسيطرة على التضخم واستيعاب كامل الموارد البشرية – التي فاقت 54 مليونا حينها – في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
يضاف إلى ذلك، طفرة في الصادرات وتحقيق فائض في الميزان التجاري ووفرات في العملة الصعبة جعلت الاقتصاد الياباني يكتسب سمات الاقتصادات المتقدمة حتى عام 1968م حيث تبوأ المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية وقبل ألمانيا.
هذا الإنجاز كان مناسبة لاحتفال اليابان من جزيرة هوكايدو في الشمال إلى أوكيناوا في أقصى الجنوب بعد 22 عاما بين هزيمة الحرب والانتصار الاقتصادي.
ثالثاً: ليس واضحاً ماهية السياسات الاقتصادية التي تبنتها اليابان للمحافظة على المركز الثاني ضمن أكبر اقتصادات العالم على الرغم من تعرضها لأزمتي نفط في 1973م و1979م وضغوط من الدول الغربية نتيجة لهيمنة الصادرات اليابانية على الأسواق العالمية واختلال الميزان التجاري مع هذه الدول، مما أدى إلى إعادة تقييم الين وفك ارتباطه بالدولار.
ومع ذلك، استمر نمو الاقتصاد الياباني ولو بمعدلات أقل بلغت 5 في المائة ناتجة عن زيادة الطلب المحلي وارتفاع الصادرات العالية التقنية بعد هجرة بعض الصناعات اليابانية إلى دول أخرى بحثاً عن العمالة الرخيصة ومواد الخام بالقرب من الأسواق الناشئة. وقد حافظت اليابان على مركزها المتقدم بناتج محلي إجمالي بلغ 5075 مليار دولار في عام 2009م مقابل 4900 مليار دولار للصين في المركز الثالث والتي أصبحت أكبر مستورد للمنتجات اليابانية بدلاً من الولايات المتحدة، في إشارة إلى تحول مركز ثقل الاقتصاد العالمي نحو الشرق.
يشار إلى أن لجنة شكلها رئيس الوزراء بوشيرو موري حول أهداف اليابان في القرن الحالي طالبت بأن تعيد اليابان اكتشاف نفسها من جديد بعد أن أصبحت قوة اقتصادية وتقنية هائلة ومانحة لأكثر وأكبر القروض والمساعدات لدول العالم فهل نشهد خروج اليابان من التبعية الأمريكية؟
وفي رأيي، أن نجاح اليابان في تحقيق مراحل التنمية الاقتصادية الثلاث بدأ بإعادة بناء ما دمرته الحرب مروراً بفترة اللحاق بالركب الاقتصادي، وأخيرا تبوؤ المركز الثاني بين أكبر اقتصادات العالم والمحافظة عليه يعود إلى التعاون الثنائي الوثيق بين الحكومة وقطاع الأعمال في رسم وتطبيق سياسات المجلس الاقتصادي الياباني.. والأمل معقود على المجلس الاقتصادي الأعلى السعودي أن يشكل قوة دفع لاقتصادنا الوطني.
