الأربعاء, 7 أكتوبر 2026|24 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يتزايد إجماع الآراء بين الخبراء الاقتصاديين والمحللين الجيوسياسيين على أن ميزان القوة الاقتصادية العالمية آخذ في التحول من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ. ويعزى هذا التحول إلى صعود اقتصادين آسيويين مهمين – هما الصين والهند. ويتوقع عدد من الاقتصاديين أن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة وأن الهند ستصبح ثالث أكبر اقتصاد في العقود القليلة المقبلة. ويتوقع جيم أونيل من بنك جولدمان ساكس أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة في الأرجح في عام 2027 في حين توقعت شركة برايس ووترهاوس كوبر أن يحدث ذلك في عام 2020.

وبناء على الحسابات التي أجراها الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، روبرت فوجيل، فإن حجم الاقتصادي الصيني يمكن أن يصل إلى 123 تريليون دولار في عام 2040. ويرجع فوجل سبب ذلك من بين عوامل أخرى إلى تزايد إنتاجية أبناء الريف الصيني البالغ عددهم 700 مليون شخص بسبب الاستثمار الصيني الهائل في التعليم. إن هذه التوقعات المختلفة حول البنية المستقبلية للاقتصاد العالمي غير مفاجئة بسبب محدودية التوقع وراء المستقبل القريب. وغني عن الذكر رفض جون مينارد كينيز لمثل هذه التوقعات حيث قال:'' في الأجل الطويل، كلنا ميتون''.

إن الأحداث النادرة ذات الأثر الكبير والتي يصعب التكهن بها يمكن أن تثبت خطأ الكثير من التوقعات الخاصة بالمدى الطويل. فلم يتمكن أي خبير اقتصادي من توقع الزيادة غير المسبوقة التي شهدتها الإنتاجية في الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي بسبب انتشار الإنترنت التي أعطت البلد ميزة كبيرة على أوروبا واليابان. ومن هنا، وفيما يتعلق بهيكلية الاقتصاد العالمي، فإن من المعقول أكثر أن ينظر المرء إلى ما يمكن أن يحدث في عقد من الزمن بدلاً من النظر فيما يمكن أن يحدث في بضعة عقود مقبلة.

تدخل آسيا العقد الجديد الممتد من عام 2010 إلى عام 2019 وسط قدر كبير من التفاؤل. فقد تعافت المنطقة إلى حد بعيد من الركود العظيم بسبب قوة التعافي في الهند والصين. ورغم أننا نشاهد التعافي، إلا أن الآفاق الاقتصادية لأكثر البلدان تقدماً ما زالت غير واضحة المعالم بسبب المديونية المترتبة عليها. وفي ضوء ما قلناه، ربما كان أفضل تصوير للتعافي الاقتصادي هو المعبر عنه في الرمز الجديد الذي وضعه السير مارتن سوريل في ثلاثة أحرف هي LUV - والذي يعني أن تعافي أوروبا الغربية هو على شكل حرف L، وتعافي أمريكا الشمالية على شكل حرف U وتعافي بلدان مجموعة البريك (البرازيل، وروسيا، والهند والصين) ومجموعة البلدان الإحدى عشرة على شكل حرف V. وإن عديدا من الاقتصادات الآسيوية وعلى رأسها الصين من المتوقع أن تلحق سريعاً بالبلدان التي تسبقها. وسيبدأ ذلك بتفوق الصين على اليابان كثاني أكبر اقتصاد في العالم في وقت ما خلال عام 2010، وهو حدث يعتقد البعض أنه وقع بالفعل. ومع التعافي القوي الذي حققته صادراتها، تغلبت الصين على ألمانيا باعتبارها أكبر مصدر في العالم، كما أنهت عهد السيطرة الأمريكية كأكبر سوق للسيارات في العالم. وقد حدث هذان الأمران في فجر العقد الجديد.

وتتنافس الشركات الآسيوية بقيادة الصين مع الولايات المتحدة وأوروبا لاحتلال مراكز في قائمة مجلة Fortune لأكبر 500 شركة عالمية، لأن ذلك يظل علامة على قوة الشركات. وقد احتلت الشركات الصينية العملاقة وهي شركات بترو تشاينا، وICBC وتشاينا موبايل – بالفعل ثلاثة من المراكز الخمسة الأولى في قائمة فاينانشيال تايمز لأكبر 500 شركة في العالم. وتدل أحدث البيانات الصادرة عن وكالة بلومبيرج على أن البنوك الصينية حلت محل البنوك الأمريكية كأعلى المؤسسات المالية قيمة، محتلة أربعة من المراكز الخمسة الأولى في التصنيف الخاص بأسعار أسهم البنوك كمضاعف لاقيامها الدفترية. وهذا يؤشر إلى أن الشركات الآسيوية يمكن أن تنهي هيمنة الشركات الغربية في هذا العقد.

وحيث إن حجم احتياطياتها من العملات الأجنبية يبلغ نحو خمسة تريليونات دولار، تتمتع آسيا الآن بنفوذ هائل في مجال التمويل والاستثمار العالمي. لقد أصبحت البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية في منطقة شرق آسيا إلى جانب مثيلتها في منطقة الشرق الأوسط جهات الوساطة القوية الجديدة في مجال التمويل العالمي. إن أكبر موجودات هذه المنطقة هو الجانب السكاني. وبينما تزيد الصين والهند من استثماراتهما في مستقبل أبنائهما، نجد أن أوروبا، وأمريكا تخصصان المزيد من الأموال للجيل الماضي، أي جيل المتقدمين في السن. وسيزيد توجه مزيد من الناس نحو المدن في آسيا بازدياد التصنيع، حسب وجهة نظر ماكنزي وشريكه، حيث ستشهد الصين وجود أكثر من 219 مدينة من التي يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة في عام 2025، مقابل 35 مدينة بهذا العدد السكاني في أوروبا في الوقت الراهن.

وستزيد آسيا بحدة من حصتها من الإنتاج العالمي في السنوات المقبلة. ويمكن أن يصل حجم الاقتصادات الآسيوية في نهاية العقد الحالي إلى ما يراوح بين 22 و 24 تريليون دولار. ورغم كل هذه التحولات الضخمة، فإن الفجوة بين دخل الفرد الآسيوي، والأوروبي والأمريكي ستظل واسعة في عام 2020، حيث يقدر راتب الصيني بسدس راتب الأمريكي. ولا يتعلق الأمر فقط باستيعاب القوى العمالية، بل إن زيادة الإنتاجية هي التي تساعد في تقليص فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء.

رغم ذلك، فإن التحول الآسيوي سيعتمد على عوامل محلية وخارجية. ويتمثل التحدي الداخلي للدول الآسيوية في كيفية إعادة اختراع نموذج النمو. وقد تكون بعض بلدان شرق آسيا قد بلغت الحدود الممكنة من النمو في ظل النموذج القائم على الصادرات. وإن آسيا بانتظار تغير هيكلي كبير في بنيتها الإنتاجية والاستهلاكية خلال العقد الحالي. ويمكن أن يكون التغيير الأهم متمثلاً في إعادة توازن النمو في عدد كبير من الاقتصادات الآسيوية.

يعتمد نهوض آسيا كذلك على إذا ما كانت هذه القارة قد اتبعت السياسات الصحيحة لاستغلال جانبها السكاني، حيث هناك تفاوتات كبيرة حول ما يتوافر من تكوين لرأس المال البشري بين دول آسيا. وتمثل جوانب الاختلاف والتفاوت على الصعيد الإقليمي مخاوف حقيقية لدى كل من بكين، ونيودلهي. وهنالك كذلك عدد من البلدان الإسلامية ذات النسب العليا من السكان الشباب من ذوي المستويات المتدنية على صعيد التنمية البشرية. أما على الصعيد الخارجي، فإن تخلص البلدان المتقدمة من المديونية يمكن أن يؤثر سلباً على النمو الآسيوي في ظل الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين هاتين المنطقتين. ويقدر صندوق النقد الدولي أن الديون السيادية في اقتصادات دول مجموعة العشرين المتقدمة يمكن أن تتجاوز نسبة 100 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي خلال السنوات القلية المقبلة. على الرغم من أن نظرية ''فك الارتباط مع الدولار'' اكتسبت أهمية خلال السنوات الأخيرة، إلاّ أن الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات والمتقدمة، وآسيا النامية لم يتراجع، بل يمكن أن يكون قد توسع. وكانت هنالك علاقة ترابط قوية بين الدول السبعة الغنية، ونمو القارة الآسيوية، وبالذات في الفترة التالية لعام 2000. وهناك ارتباط قوي في مجال أسواق السندات بين الاقتصادات المتقدمة، ومحافظ الاستثمار، وتدفقات الاستثمارات الخارجية، ومجالات أخرى متعددة، واقتصادات دول آسيا. ولا تزال أسواق الدول السبع الغنية تستهلك ثلثي صادرات الدول الآسيوية النامية، بينما يحتفظ البنك المركزي الصيني وحده بنحو ربع إجمالي سندات الخزانة الأمريكية. يضاف إلى ذلك وجود عوائق اقتصادية إضافية في طريق النمو الآسيوي تتمثل في عجز الطاقة، والتحدي الخاص بالتحول إلى اقتصادات قليلة الانبعاثات الكربونية في ظل أزمة المناخ التي تلوح في الأفق خلال السنوات المقبلة. وهناك مخاطر جيوسياسية كذلك، حيث إن من شأن فشل عدد من الدول اقتصاديا على البر الآسيوي، وفي شبه الجزيرة الكورية، التسبب في زيادة حدة عدد من المشكلات السياسية. وبينما يمكن لزيادة الاعتماد المتبادل بين الصين والولايات المتحدة أن تقلل من فرص المواجهة بينهما، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها، لن يغمضوا عيونهم عن الطموحات الإقليمية الصينية في هذه المنطقة من العالم. قد يكون العقد الماضي شهادة على بداية تراجع التوسع الغربي الذي بدأ منذ 500 سنة. وقد يتطلب الأمر عدة عقود، إن لم يستغرق قرناً كاملاً، لكي تبرز ملامح القرن الآسيوي، إن لم تكن ملامح القرن الصيني. ومع ذلك، فإن من المحتمل تماماً أن يكون العقد الحالي آسيوي الطابع والممارسة.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: OpinionAsia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية