كتب الدكتور فهد بن حمود العنزي سلسلة مقالات في الصحيفة عن مسألة التأمين ربط فيها بين حكم التأمين والمنطق. وكلمة التأمين بمعناها المعاصر هي في الحقيقة من المصطلحات المستحدثة مما جعل عقد التأمين من العقود القانونية التي كانت مدار بحث في العصور المتأخرة ولا يزال لحداثته، ولأنه لم يستقر وينتشر إلا في القرن الـ 18.
وقد أحسن الكاتب في اختيار هذا الموضوع لأهميته على الصعيد الشرعي والقانوني والاقتصادي للأفراد والجماعات والدول. بيد أن هناك بعض النقاط وردت في ثنايا تلك السلسلة من المقالات تحتاج إلى تأمل ومنها الربط بين حكم التأمين والمنطق، والقطع بحكم التأمين من خلال استقراء عناوين سلسلة مقالات الكاتب في هذا الموضوع.
والتأمين بكل صوره عملية جماعية ترتكز على تعاون المؤمن لهم في تحمل الآثار الاقتصادية المترتبة على تحقق خطر معين من خلال توزيع تلك الآثار عليهم جميعاً، عوضاً عن أن يتحملها أحدهم في ذمته المالية، والتأمين بمعناه المعاصر ثلاثة أنواع وهي: التأمين الاجتماعي وهذا النوع المعمول به حالياً بين الدولة أو مؤسسة التأمينات الاجتماعية، استقطاع مبلغ معين من راتب المشترك أو الموظف ثم تضيف إليه مقداراً مماثلاً له يمكنه عند نهاية خدمته من الحصول على راتب شهري، والتأمين التعاوني الذي ينشأ عند اتفاق مجموعة من الأفراد على التعاون فيما بينهم بأن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال يستفيد منه أحدهم عند تحقق خطر أو جائحة. والتعاون أمر محمود دعا إليه الشارع الحنيف وهذان النوعان من التـأمين (الاجتماعي والتعاوني) ليس محل خلاف كبير، كالذي يسري على النوع الثالث وهو موضوع الكاتب ونقصد بذلك التأمين التجاري وإن كانت هذه التقسيمات أيضا محل نظر.
والمنطق عندما استند عليه الكاتب الكريم بقوله: ''والمنطق هو الذي يُجرد الإنسان ويجعله قادراً على البحث وعلى الفهم ومن ثم الحكم على الأشياء بدقة'' هو قول صحيح ولكن ليس على إطلاقه، فالأحكام والتشريع في الدين الإسلامي لا تبنى على المنطق بل تنطلق من مصادر محددة وهي مصادر نقلية في مجملها وليست عقلية ولا يعنِي ذلك اختلاف الشرع عن العقل، وهذا ما ذهب إليه الرازي الذي وضع كتاباً وسمه بـنهاية العقول من القول: ''إن العقل قد يتعارض مع الشرع, وحينئذٍ ينبغي عنده أن نرد دليل الشرع ونعتصم بدليل العقل'' انتهى.
هذه الدعوى ردها شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ من عدة أوجه في كتابه درء تعارض العقل والنقل. كما أن المنطق في تعريفه كعلم له شقان الأول أنه يدرس القواعد العامة للتفكير الصحيح من جهة (وهذا لا خلاف عليه)، ومن جهة أخرى هو الأداة التي يستعين بها الإنسان على العصمة من الخطأ وهذا مردود، فالإنسان غير معصوم من الخطأ عدا المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم.
والتأمين التجاري وإن كان من خصائصه أنه عقد رضائي، حيث تتوافق فيه إرادة كل من المؤمن والمؤمن له وأنه عقد معاوضة ملزم للجانبين، حيث يلتزم المؤمن له بدفع الأقساط ويلتزم المؤمن بدفع مبلغ التأمين عند تحقق الخطر إلا أنه من عقود الإذعان، لكن الذي ينبغي ذكره هو أن عقد التأمين التجاري على وجه التحديد محل خلاف من ناحية الحل أو الحرمة ولست بصدد بيان الحكم الشرعي له لانتفاء تلك الصفة عني فحكمه من اختصاص أهل العلم لكني أستطيع القول إن هنا أكثر من رأي في هذا الاتجاه، وقد يستشف من مقالة الكاتب الدكتور العنزي التي استفتحها بعنوان ''هل أسباب تحريم التأمين منطقية؟'' بقطعية الحكم على التأمين، بينما الصحيح أن الأمر فيه خلاف، حيث يذهب رأي إلى حرمته وفق ما قرره جمع من الباحثين المتأخرين بناء على الأدلة التالية:
1. أن التأمين من عقود الغرر المنهي عنها شرعا بل هو في حقيقته رهان ومقامرة.
2. التأمين نوع من التعامل الربوي.
3. الضمان الناتج عن عقد التأمين هو التزام ما لا يلزم.
4. التأمين أكل لأموال الناس بالباطل.
وفي تلك الأدلة تفصيل ليس هذا موضعه، وفي مقابل ذلك يرى فريق آخر جوازه، على اعتبار أن الأصل في الأشياء الإباحة وأن عقد التأمين من العقود المأمور الوفاء بها، كما أن التأمين عن تجارة تراض أحلها الله حيث يقول الله تعالى: ''يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم''. ويرى أصحاب هذا الرأي أيضاً أن التأمين من قبيل أخذ الحيطة والحذر بل هو من التعاون الذي حض عليه القرآن الكريم، كما أن الأخذ بهذا النوع من العقود فيه تيسير على الناس ورفع للحرج عنهم ثم قاسوا هذا العقد على عقود أخرى لها صفة الحل مثل عقد الموالاة ونظام العواقل وهو تضامن العاقلة مع أحد أبنائها عندما تجب عليه الدية والمقصود بالعواقل جمع عاقلة وهم عصبة الإنسان وقرابته الذين يدافعون عنه ويتضامنون معه.
ثم إن أدلة أصحاب الرأي الذين يرون جواز التأمين التجاري جابهت ردوداً من أصحاب الرأي الأول الذي يرى ممانعة التأمين مما يعني احتدام الخلاف على حكم التأمين بين الفريقين وكل فريق يسوق أدلته وبالتالي تنتفي صفة القطعية الثبوتية للحكم على عقد التأمين.
