(الإعلام والقضاء والثقافة) كان هذا هو عنوان المقالة السابقة حيث أشرت إلى ضرورة انفتاح القضاء على نخب المجتمع من قضاة متقاعدين مختارين ومحامين وحقوقيين وأبرز المثقفين ونخبة أخرى من رجال الأعمال، والانفتاح هذا يكون من خلال الحوار وتبادل وجهات النظر في جو يسوده الاحترام المتبادل في شكل لقاءات ومنتديات ومؤتمرات يتم من خلالها مناقشة الموضوعات التي هي موضوع خلاف مع جهاز القضاء والتي عادة ما تثار في الصحف مثل تأجيل الجلسات بدون مبرر وعدم احترام المتهمين وأصحاب الشكاوى وخاصة القرويين وقلة التعاون مع المراجعين والتقصير في الالتزام بحقوق الإنسان عند التقاضي ... إلخ، ومن خلال تلكم اللقاءات تتضح الرؤية ومعرفة الأصح حتى يزول تدريجيا اختلاف وجهات النظر، كل هذا يمنع انغلاق القضاء على نفسه ويتغير دوره من الدفاع عن نفسه إلى المحاورة وتفهم آراء الآخرين ورؤيتهم وإبداء وجهة نظره وقد تكون الأصح وإذا ما حصل هذا فإن البيئة القضائية ستكون أكثر وضوحا ورقيا وأكثر حضارة ومعاصرة للقرن الحادي والعشرين وخاصة إذا أخذ في الاعتبار العوامل الأربعة التي أشرت إليها في الحلقة السابقة التي تساعد بعون الله في رفع مستوى القضاء وتخلصه من الروتين القاسي والأخطاء الموجعة التي تلوكها الألسن في المجالس، ومن الجميل أيضا أن تنفتح مجالس القضاة في منازلهم ليختلطوا بالمحامين والمثقفين ويدعوهم إلى مآدبهم ومناسباتهم الاجتماعية والعكس صحيح، وحيث وعدت أن تكون هذه الحلقة هي الأخيرة فها أنا أوجز للقراء الكرام أهم المسائل التي تم عرضها والآراء التي سردتها، مع العلم أن عدد الحلقات التي كتبتها عن جهاز القضاء بلغت (17) حلقة بما فيها هذه الأخيرة، وقد تعرضت بصفة عامة للموضوعات التالية: (أهمية استقلال القضاء)، (حقوق الإنسان في قضاء عادل يتعامل مع المتهمين والجناة بإحسان)، (ما قامت به الدولة لتطوير القضاء ماليا وإداريا وسن نظام جديد للقضاء)، (أهمية إقران العدل بسرعة البت في القضايا)، (تعويض المتهمين والجناة عما لحق من ضرر من القضاة وهم أبرياء، وتعريف المتهم بحقوقه)، (التوضيح والتعريف بنظام القضاء الجديد)، (أهمية وجود إدارة للجودة في جهاز القضاء)، (حق التقاضي العادل للإنسان)، (احترام القضاة)، (وجود مقصورة للنساء في المحاكم مزودة بحضانة للأطفال ومساعدات للقضاة)، (أهمية القضاء في حياة الإنسان وحقوق القضاة)، (تنظيم القضاء واختصاص المحاكم)، (ديوان المظالم في النظام الجديد)، (لجنة عليا مستقلة لتقييم القضاء)، (البيئة القضائية الحضارية الحديثة)، (أهمية احتكاك وانفتاح القضاء على الحقوقيين والمثقفين) وأخيرا (ملخص لأهم ما كتبت عن القضاء)، هذه هي أهم الموضوعات التي تطرقت إليها في تلكم الحلقات المشار إليها وأجدها فرصة مناسبة في هذا الموجز أن أضيف موضوعين أراهما مهمين، الأول: صغر سن بعض القضاة ما يعطي انطباعا للناس عن قلة الخبرة والممارسة وتقدير الناس فحبذا لو نظر لهذا الموضوع، ولا يعني دائما أن صغر السن دليل على غياب الحكمة والعلم فهناك حالات نادرة من الشباب الأذكياء المتميزين الذين يخشون الله ويحترمون عباده، لكن أجمع الناس أن الخبرة والحكمة والممارسة تأتي مع طول فترة التعلم والتدريب وكثرة الدورات والإشراف من قبل ذوي الخبرة والحكمة قبل أن يمارس القاضي المقاضاة، والموضوع الثاني هو ضرورة اختيار مجموعة من الأشخاص الذين يعتمد عليهم ليقوموا بزيارة المحاكم بدون سابق إنذار ليتعرفوا على طرق تعامل القضاة مع المتهمين وأصحاب الشكاوى ويسألوا الموجودين في المحاكم بطريقة ذكية عن رأيهم في مستوى التعامل في المحاكم ثم يكتبوا تقارير لإدارة التفتيش أو إدارة الجودة في الجهاز القضائي التي تكون مرجعاً لتلك المجموعة، ولعل هذا الأسلوب يفتح مجالاً لمعرفة مستوى المعاناة لمن يحتكون بالمحاكم ليتم إدارك ذلك وتصحيحه ويمكن أن تكون تلك الزيارات المفاجئة مرتين في السنة، وأكتفي بذلك وكلي أمل أن تتم الاستفادة من هذه الحلقات التي هداني الله تعالى لكتابتها والتي أقصد من ورائها رضا الله تعالى ثم خدمة الدولة والوطن، وكما ذكرت سابقاً سأعود للحديث عن القضاء كلما لزم الأمر، وفي الحلقة المقبلة (116) أعود للحديث عما تبقى من حقوق الإنسان في نظام الحكم الأساس للمملكة.
