الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

اليابان والتغيب المالي .. ما الحل؟

يوريكو كويكي
الثلاثاء 6 أبريل 2010 4:51

عندما سُئِل وزير المالية ونائب رئيس الوزراء الياباني ناوتو كان عما إذا كان قد قرأ الكتاب الأكاديمي الكلاسيكي في الاقتصاد لمؤلفه بول سامويلسون، وهو الكتاب الذي درسه كل طلاب السنة الأولى في الاقتصاد تقريباً، أجاب: «قرأت منه نحو عشر صفحات». لا شك أن أي كتاب في الاقتصاد لن يكون كافياً لتقديم جميع الحلول التي قد يحتاج إليها أي وزير مالية في عالم ما بعد الأزمة اليوم، خاصة الحلول للتحديات العصيبة التي تواجهها اليابان. لكن عديدا من اليابانيين أصيبوا بالذهول حين علموا أن وزير ماليتهم لم يبدأ بالتعامل مع المبادئ الأساسية للاقتصاد إلا بعد توليه منصبه.

تولى كان منصبه الحالي في حكومة رئيس الوزراء يوكيو هاتوياما في كانون الثاني (يناير) الماضي. والواقع أن كان، الذي عمل في مجال الحقوق المدنية طيلة القسم الأعظم من حياته المهنية، يُعَد واحداً من عدد قليل من أعضاء حكومة هاتوياما الذين يتمتعون بخبرة سابقة في مجلس الوزراء، حيث شغل منصب وزير الصحة والرعاية الاجتماعية لمدة عشرة أشهر عام 1996. وهو مجادل شرس، وكثيراً ما يُذكَر كمرشح لخلافة هاتوياما إذا ترك رئيس الوزراء منصبه ـ وهو احتمال واقعي، وذلك نظراً لانحدار شعبية رئيس الوزراء وعلاقته المتوترة مع ايتشيرو أوزاوا الشخص الأعظم نفوذاً في الحزب الديمقراطي الياباني الذي يتزعمه هاتوياما.

ولقد تولى كان منصب وزير المالية بعد أن استقال الوزير السابق هيروهيسا فوجي فجأة متعللاً بسوء حالته الصحية. لكن يبدو أن كان أخطأ حين دعا في أول مؤتمر صحافي يعقده إلى خفض قيمة الين ـ وهو التصريح الذي سارع هاتوياما إلى انتقاده بشدة.

والواقع أن الظهور الأول له على الساحة الدولية لم يكن أقل إخفاقاً. ففي اجتماع مجموعة الدول السبع الذي استضافته كندا في شهر شباط (فبراير) كان التركيز منصباً على الأزمة المالية اليونانية وعواقبها الدولية. ولقد قال كان للصحافيين مازحاً إنه سعيد لأن الاجتماع لا يعالج مسألة الدين العام في اليابان الذي بلغ الآن نحو 900 تريليون ين، وإنه تبين له أن الاجتماع كان «يونانياً بالكامل».

لكن اليونان بوصفها عضواً في الاتحاد الأوروبي تستطيع أن تأمل على الأقل في الحصول على المساعدة من بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى. أما اليابان فإنها تقف وحيدة وقد أثقل كاهلها هذا الدين الهائل. وعلى نحو مماثل، ففي حين أن الناتج الوطني الإجمالي الاسمي في اليونان يسجل بعض النمو على الأقل، فإن اليابان ما زالت غارقة في الانكماش. وفي حين بدأت أسواق الأوراق المالية تتعافى في كثير من بلدان العالم المتقدم، فإن الأسهم اليابانية ما زالت تعاني الركود.

حين تولى كان قيادة الحزب الديمقراطي الياباني في المعارضة كان يتجنب مناقشة أي زيادة لمعدل الضريبة الاستهلاكية. لكنه الآن، وبعد أن أصبح حزبه في السلطة وبات لزاماً عليه أن يواجه الواقع المتمثل في إدارة ثاني أضخم اقتصاد على مستوى العالم وأن يتعامل مع عبء الديون الهائل، وجد نفسه مضطراً إلى تنحية وجهات النظر التي طالما تبناها والتطرق إلى موضوع الزيادات الضريبية للمساعدة على الحد من العجز الهائل في الميزانية.

ومع استمرار هاتوياما في معارضة زيادة الضريبة الاستهلاكية في السنوات الأربع المقبلة، فإن هذه القضية سوف تكون بمثابة اختبار جوهري لجدية الحكومة. لقد بذل الحزب الديمقراطي الياباني عدداً لا يحصى من الوعود الوردية في الانتخابات العامة التي جرت في العام الماضي. وكان من المفترض أن يتم تقديم مخصصات جديدة لرعاية الطفل تبلغ 26 ألف ين شهرياً، وذلك بتكلفة إجمالية تبلغ 5,2 تريليون ين. وكان من المفترض أن يتم إلغاء ضريبة البنزين التي تعود على الحكومة بنحو 2,6 تريليون ين. وكان من المفترض أن يتم خفض الانبعاثات المسببة للانحباس الحراري العالمي بنسبة 25 في المائة مقارنة بمستويات عام 1990.

وفي محاولة للوفاء بهذه التعهدات المتناقضة، فمن المنتظر أن يرتفع الإنفاق الحكومي إلى مستوى لم يسبق له مثيل (92.3 تريليون ين). لكن العائدات الضريبية لن تغطي إلا قسماً ضئيلاً من هذا المبلغ، حيث تم تقديرها بما لا يتجاوز 37 تريليون ين عام 2010. لذا فإن الحكومة اليابانية، في محاولة لمواجهة العجز في الميزانية، تعتزم إصدار سندات حكومية قيمتها 44.3 تريليون ين. وفي هذه الفترة العصيبة، حيث يتعين على حكومات أقل من حكومة اليابان معاناة من مشاكل الديون أن تبرهن على قدرتها على توفيق وتنظيم أحوالها المالية، فمن الواضح أن الموازنة اليابانية ترسل الإشارة الخطأ إلى الأسواق.

كانت الضريبة الاستهلاكية في اليابان (وهي في الأساس نفس ضريبة القيمة المضافة في أوروبا) قد فُرِضَت في عام 1989 بمعدل 3 في المائة، ثم ارتفعت بعد معارك سياسية حامية الوطيس إلى 5 في المائة عام 1997. واليابان لا تختلف عن غيرها من بلدان العالم فيما يتصل بالنزاعات الناشئة حول مسألة الضرائب. أما الأمر المختلف، نظراً لحجم المشاكل المالية التي تواجهها البلاد، فهو أن الحكومة اليابانية ما زالت تنظر إلى الضرائب من منظور حزبي.

لقد اختار الناخبون الحزب الديمقراطي الياباني سعياً إلى تغيير اليابان، لكنهم في أغلبية الأمر لم يشهدوا سوى الفضائح السياسية القديمة بحذافيرها. فقد اتهم هاتوياما بتلقي تبرعات مشبوهة ـ «مخصصات رعاية الطفل» ـ من والدته التي ورثت ثروة ضخمة. كما اتهم أوزاوا، وهو الأمين العام القوي للحزب الديمقراطي الياباني، باستخدام أموال الحزب لشراء العقارات، وتلقي الرشا من شركات المقاولات.

لقد لوثت مثل هذه الفضائح السياسة اليابانية طيلة عقود من الزمان. لكن كما لا يخطط كان إلا لمناقشة زيادة الضرائب، فإن الحزب الديمقراطي الياباني لا يخطط إلا لمناقشة مشكلة المال في السياسة من خلال تأسيس لجنة غير حزبية للتحقيق في المشكلة. لكن اليابان لا تتمتع بترف إهدار الوقت في بناء جهاز جديد مختص بمنع فضائح التمويل الحزبي. البلاد لديها بالفعل القوانين القادرة على التعامل مع مثل هذه الأمور. والأمر لا يتطلب سوى تفعيل هذه القوانين ببساطة.

والواقع أن المطلوب بإلحاح الآن يتلخص في إنشاء هيئة غير حزبية مختصة بإيجاد السبل المستدامة لتغطية تكاليف برامج الضمان الاجتماعي. فمن المتوقع أن يسجل الإنفاق على الضمان الاجتماعي عجزاً يبلغ ستة تريليونات ين في هذا العام. ونظراً للشيخوخة السكانية في اليابان، فإن ميزانية الضمان الاجتماعي تحتاج إلى زيادة سنوية طبيعية تبلغ تريليون ين. ولا يجوز لليابان ببساطة أن تستمر في تكديس الديون على الديون.

ولوقف هذا التفسخ المالي يتعين على اليابان أولاً أن تتوصل إلى الإجماع على نوع الخدمات الاجتماعية التي يتعين على الحكومة الوطنية والحكومات المحلية أن تقدمها، ولأي مدة، وبأية تكاليف. والحق أن المشكلة أخطر من أن تُترَك للمجادلات والمشاحنات الحزبية. إن تأمين الصحة المالية في اليابان، فضلاً عن تأمين الصحة البدنية للشعب الياباني، يشكل القضية الأكثر إلحاحاً التي تواجهها البلاد طيلة نصف قرن من الزمان.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية