الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الهوية العراقية بين الماضي والحاضر

عبدالقادر بن عبدالرحمن الحيدر
عبدالقادر بن عبدالرحمن الحيدر
الاثنين 5 أبريل 2010 4:47

تميز العراق منذ مئات السنين بالتآلف بين جميع الأعراق، فلم يكن هنالك تمييز بين أكثرية أو أقلية، بل إن من آداب العراقيين الأصليين وعاداتهم احترام الأقليات العرقية والدينية، لذلك تجد أن العراق يحوي جميع الأديان والأعراق القديمة ولم يسجل أي اضطهاد، فهو بلد لمن لا بلد له، وفي المدينة الواحدة تجد أصحاب الأصول العربية والكردية والتركية والفارسية والأفغانية والهندية وغيرها، أما العربي غير العراقي فيعامل معاملة أفضل مما يعامل به العراقيون، حيث يأخذ كل الحقوق وليس عليه واجبات كالخدمة العسكرية ونحوها، وخير دليل الهجرات النجدية المتعاقبة لأكثر من 500 سنة لجميع مناطق العراق، كما وجد الإخوة الفلسطينيون كل ترحيب بعد احتلال فلسطين من قبل العصابات الصهيونية سنة 1948 م.

واستمر ذلك الوضع الديمقراطي الحقيقي حتى الثورة الدموية العراقية في تموز 1958م التي أنهت الحكم الملكي الهاشمي، حيث بدأ المجنسون العراقيون ذوو الأصول الفارسية زرع التفرقة والشعوبية، ولكن هدأت الأمور بتولي الرئيس عبد السلام عارف زمام الأمور سنة 1963م ومن ثم تولي حزب البعث العراقي مقاليد الحكم سنة 1968م، وقد كانت الثورة الفارسية الخمينية ومحاولتها تصدير الثورة أو بالأحرى الهيمنة الفارسية بداية شرارة تحريك الخلايا النائمة من العراقيين ذوي الأصول الفارسية للقيام بأعمال تخريبية وتجسسية لمصلحة النظام الشعوبي الإيراني فقد كانت تلك العمليات بمثابة انقلاب على مبدأ التعايش السلمي الذي كان يتمتع به العراق طوال آلاف السنين، كما أنه يعد عدم احترام للضيافة العراقية، لذا فقد اضطرت الحكومة العراقية إلى ترحيل كل من ليس لديه شهادة جنسية، وللمعلومية تعطى شهادة الجنسية لكل عراقي (عربي، كردي تركمستاني دون تمييز). كما اعتبر الانتماء للحزب الشعوبي (حزب الدعوة) الإيراني المنشأً خيانة وطنية، لممارساته الخارجة عن العُرف العراقي.

فقد كانت اجتماعات المعارضة العراقية في لندن قبل سقوط بغداد وبمباركة من أمريكا ودعم إيراني تتمحور على العدالة الاجتماعية ورفاهية المواطن العراقي ونبذ الحزبية والطائفية ونحوه من الشعارات، ولكن ما إن تسلموا الحكم أصبح الناس تترحم على ظلم النظام السابق، فوالله قد حدثني أحد أعضاء مجلس الحكم الانتقالي وهو شيعي عربي، كان من الذين حضروا اجتماعات المعارضة في لندن: وقال لي بصريح العبارة لقد كانت ادعاءات القيادات الحالية في الساحة السياسية العراقية خلال الاجتماعات بأنه إذا أسقطنا النظام الصدامي فسوف ينال كل عراقي حقه غير منقوص، ولكن للأسف أثبتوا للجميع أن النظام السابق كان أفضل منهم، فقد استأثروا بالثروة والمناصب وزرعوا الخلافات المناطقية والعقدية والعرقية (هذا نص كلامه).

فأين الديمقراطية التي زعمت أمريكا نشرها في العراق، لقد جاءت دباباتهم بعصابات لسحق التآلف الشعبي العراقي، فقد كان أهل بغداد وشمالها لا يعرفون مصطلح سني شيعي مسيحي وغيرها، بل كان التزاوج بينهم طبيعيا لأنهم تربوا مئات السنين على روح التسامح وحسن العشرة واحترام الجار، وكانت نتيجة تلك الادعاءات الأمريكية زرع الفرقة بل واجتثاث الهوية العراقية الحقيقية وإبدالها بتكتلات شعوبية مصلحية غير وطنية، قتل وشرد جميع السنة من معظم مناطق الجنوب، بل إن الحقد الفارسي وصل إلى تفجير ونبش قبور صحابة سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، كما اصطنعوا تفجيرات في بعض المناطق الشيعية لإثارة النعرات الطائفية، وخير دليل تفجيرات سامراء المدعومة مباشرة من الحكومة الإيرانية والمجلس الأعلى.

ختاماً قصة وأد الهوية العراقية في العراق من قبل المحتل وأعوانه المرتمين بأحضان إيران يؤلف فيها الكتب، ولكن أثبتت الانتخابات العراقية الأخيرة الولاء الفارسي المطلق من كثير من الأحزاب العراقية حتى وإن ادعى بعضها عروبيته مثل التيار الصدري، الذي تحركه أياد إيرانية بل إن معظم القيادات الصدرية هم إيرانيو الأصل، أما الأحزاب الأخرى فكل قادتهم الحقيقيين من الأصول الإيرانية، حتى وإن أوحت أسمائهم بالقبائل العربية، كما أنه ليس لديهم أي مانع أن يتنازلوا للأكراد عن عروبة كركوك حتى يتمكنوا من البقاء في سدة الحكم، فهذه تعد خيانة وطنية كبرى، فهل نتوقع أي نوع من الديمقراطية من تلك الفئات الشعوبية؟؟ ومازلت أؤكد أن الشراكة الإيرانية - الأمريكية قوية جداً وكل ما نسمع من تناقضات وتصريحات صحفية هي فقط تمويهية، فالأمريكان هم من يحمي تلك الأحزاب الشعوبية في المنطقة الخضراء ومن يبارك سفراتهم المكوكية لإيران.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية