الأربعاء, 7 أكتوبر 2026|24 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

إن قارة آسيا تشهد سباقاً اقتصادياً محتدماً بين الصين والهند. ولكن كلاً من البلدين ينمو بطريقة مختلفة إلى حد كبير ففي حين تعتمد الصين بشكل هائل على تصدير السلع المصنعة، اكتسبت الهند سمعتها كدولة مصدرة للخدمات الحديثة. والواقع أن الهند تجاوزت مرحلة التصنيع، فانتقلت من الزراعة إلى الخدمات مباشرة.

إن الاختلافات بين نماذج النمو في البلدين مذهلة، وتطرح هذه الاختلافات تساؤلات ضخمة على خبراء الاقتصاد العاملين في مجال التنمية فهل من الممكن أن يتمتع قطاع الخدمات بالقدر نفسه من الحيوية الذي يتمتع به قطاع التصنيع؟ وهل يستطيع الداخلون الجدد إلى عالم التنمية أن ينتهزوا فرصة العولمة المتزايدة لقطاع الخدمات؟ وهل تنجح الخدمات في دفع النمو المستدام، وخلق فرص العمل، والحد من الفقر؟

هناك بعض الحقائق التي تستحق الفحص والتدقيق. إذا وضعنا في الحسبان حالة التنمية في الهند فسوف يتبين لنا أن الحجم النسبي لقطاع الخدمات هناك أضخم كثيراً من نظيره في الصين. ورغم انتماء الهند وغيرها من بلدان جنوب آسيا إلى منطقة متدنية الدخول فقد تبنت هذه البلدان أنماط النمو السائدة في البلدان ذات الدخول المتوسطة إلى المرتفعة. وأنماط النمو في هذه البلدان أقرب إلى أنماط النمو في أيرلندا وإسرائيل، وليس الصين أو ماليزيا.

والواقع أن نمط النمو في الهند لافت للنظر لأنه يتناقض مع قانون راسخ يحكم التنمية، ولقد أثبت ذلك القانون صدقه طيلة قرنين من الزمان تقريباً، أو منذ بداية الثورة الصناعية. وطبقاً لهذا القانون ـ الذي تحول الآن إلى حكمة تقليدية ـ فإن التصنيع يشكل السبيل الوحيد إلى التنمية الاقتصادية السريعة في البلدان النامية.

ونتيجة للعولمة فإن خُطى التنمية قد تكون بالغة السرعة. ولكن احتمالات النمو الضخمة لا تتجلى عادة إلا في قطاع التصنيع. ولكن هذه الحال قد تبدلت فهناك من الأدلة ما يؤكد أن البلدان التي حققت نمواً مرتفعاً في قطاع الخدمات تميل أيضاً إلى تحقيق نمو اقتصادي إجمالي مرتفع؛ والعكس صحيح، فالبلدان التي حققت نمواً اقتصادياً إجمالياً مرتفعاً سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في نمو قطاع الخدمات.

لا شك أن العلاقة السببية بين الأمرين تظل غير مؤكدة: فهناك أيضاً علاقة إيجابية ـ وهي مقبولة على نطاق واسع في اقتصادات التنمية ـ بين نمو التصنيع والنمو الإجمالي. ولكن ما أغفله البعض هنا هو أن تأثير نمو الخدمات في النمو الاقتصادي الكلي قد لا يقل قوة عن تأثير نمو التصنيع في النمو الإجمالي، بل قد يكون أكثر قوة.

فضلاً عن ذلك فإن الميل مع الوقت نحو ارتفاع حصة قطاع الخدمات في الاقتصاد يشير إلى أن النمو الحقيقي الأعلى في الخدمات لم يقابله انخفاض مماثل في الأسعار. وهذا يعني أن سعر الخدمات لا يهبط مع زيادة العرض.

ويتمتع قطاع الخدمات في الهند بحصة أعلى ونمواً أسرع مقارنة بالصين، رغم أن الصين دولة أغنى وأقدر على تحقيق نمو أسرع مع الوقت. وهذا يشير إلى أن الخدمات لا تستجيب للطلب المحلي (الذي من المفترض أن يكون أعلى في الصين) فحسب، بل أيضاً لفرص التصدير.

إن تجربة النمو في الهند تشير إلى أن انطلاق ثورة الخدمات العالمية ـ النمو السريع والحد من الفقر بفضل نمو الخدمات ـ أصبح الآن في الإمكان ففي الهند لم ينجح قطاع الخدمات في دفع النمو الاقتصادي الإجمالي فحسب، بل إن قطاع الخدمات يتميز أيضاً بارتفاع إنتاجية العمالة مقارنة بالقطاع الصناعي. والواقع أن نمو الإنتاجية في قطاع الخدمات في الهند يضاهي نمو الإنتاجية في قطاع التصنيع في الصين، وبالتالي يساعد على الحد من الفقر من خلال تمكين الأجور من الارتفاع.

إن النمو القائم على الخدمات قابل للاستدامة، وذلك لأن عولمة الخدمات، التي تمثل أكثر من 70 في المائة من الناتج العالمي، ما زالت في مهدها. فضلاً عن ذلك فإن وجهة النظر القديمة القائلة إن الخدمات غير قابلة للنقل أو التداول أو التطوير لم تعد تنطبق على مجموعة من الخدمات غير الشخصية الحديثة، التي بات من الممكن الآن إنتاجها وتصديرها بتكاليف زهيدة. وبالتالي أصبح في وسع البلدان النامية أن تدعم النمو القائم على الخدمات، وذلك نظراً للحيز الضخم المتاح لها للحاق بالركب والتقارب.

إن تجربة الهند تعطي الأمل للبلدان النامية في اللحاق بركب التنمية فقد أدت عملية العولمة في أواخر القرن العشرين إلى تباين حاد في الدخول بين هؤلاء الذين تحولوا إلى التصنيع واقتحموا الأسواق العالمية و''مليار القاع'' (أفقر مليار إنسان في العالم) في نحو ستين دولة، حيث ظلت الدخول راكدة طيلة عشرين عاماً. ويبدو الأمر وكأن ''مليار القاع'' سوف يكون لزاماً عليهم أن ينتظروا دورهم في التنمية، حتى تصبح عمالقة التصنيع مثل الصين دولاً غنية وغير قادرة على المنافسة في قطاع التصنيع الذي يتطلب عمالة مكثفة.

بيد أن عولمة الخدمات تقدم الفرص البديلة للبلدان النامية في إيجاد منافذ أخرى، غير التصنيع، حيث تستطيع أن تتخصص، وتعزز إنتاجها، وتحقق نمواً هائلاً، تماماً مثل البلدان المصنِعة. ومع توسع الخدمات المنتجة والمتداولة في مختلف أنحاء العالم بفضل العولمة، فإن فرص كل بلدان العالم في التنمية استناداً إلى الميزة النسبية التي تتمتع بها تتوسع أيضاً. وقد تكون هذه الميزة النسبية في الخدمات، تماماً كما قد تكون في الصناعة أو الزراعة.

إن الوعد الذي تقدمه ثورة الخدمات يتلخص في أن بلدان العالم لم تعد مضطرة للانتظار حتى تتمكن من الوقوف على أول طريق التنمية السريعة فقد أصبح لديها طريق آخر جديد.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية