الثلاثاء, 6 أكتوبر 2026|23 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

لم تعد العملة الخليجية الموحدة حلماً وحديث سجال، بل تم وضع عربة إنجازها على الخط، وهي تشق طريقها بتؤدة وحرص شديدين كي يكون ميلادها على أسس موضوعية علمية لتسهم فعلياً في مسيرة التنمية النوعية في خليجنا الزاهر.

ويوم الثلاثاء الماضي باشر المجلس النقدي الخليجي أول أعماله مشكلاً لجنة تحضيرية عليا لمتابعة إنجاز الخطوات الأولى لاختيار رئيس تنفيذي له ووضع اللوائح والبنى القانونية والتحتية لعمله، وقد تم في هذا الصدد تعيين الدكتور محمد الجاسر محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي رئيساً لهذا المجلس لمدة سنة, رغبة من الأعضاء في التسريع في قيام المجلس بمهامه.

سوف يشكل المجلس النقدي الخليجي أبوة مصرفية للبنوك المركزية في دول الخليج الأعضاء في هذا الاتحاد النقدي, الأمر الذي يمنح لهذه البنوك المركزية القطرية في علاقتها بهذا المجلس دعماً لعملياتها المصرفية داخل دولها وسنداً دولياً لها في الوقت نفسه، إذ إن الوحدة النقدية التي ستتعامل بها الدول الأعضاء مع العالم قاطبة ستكون مصب الجهد المركزي لهذا المجلس من ناحية, وجهود كل دولة من ناحية أخرى باعتبار العملة باتت عملتها كما هي عملة الأشقاء الآخرين .. أي عملة الجميع.

هذا المدى المتسع أمام الوحدة النقدية الخليجية في الحركة وفي الدعم القانوني والغطاء المالي لا ينحصر أثره في فرص اكتساب العملة الخليجية الموحدة قوة أمام العملات الدولية الكبرى، خصوصاً الدولار واليورو، بل هو أيضا يمد الحراك الاقتصادي الخليجي بمزيد من قوة الدفع وبالقدرة على الصمود في وجه الأزمات الآنية الطارئة أو متوسطة المدى لما تمثله الوحدة النقدية نفسها من حجوم كبيرة في المدخرات، سواء ما هو في حيازة المجلس النقدي نفسه أو ما هو في حيازة البنوك المركزية القطرية وما تديره أو تشرف عليه من صناديق سيادية .. بمعنى .. أن الثقل النقدي الخليجي الموحد سيلعب من ناحية دور المورد الحارس للاستثمار، المالك لسنده المالي القوي في المدخرات وفي سعر الصرف وأسواق العملات في الأسواق المالية الإقليمية والدولية.

المجلس النقدي، لن يعني فقط رابطة إدارية مالية في محيط دول مجلس التعاون، وإنما كذلك، وهو الأهم، اقتصادية اجتماعية، فوجود عملة موحدة ببنك مركزي اتحادي سيقوم بتيسير وتذليل العلاقات الاستثمارية المشتركة بين دول المجلس نفسها مع ما يعنيه ذلك كله من عوائد اقتصادية لصالح بلدان الخليج العربي سواء الحكومات أو الشعوب، فالدخول الوطنية ستنمو باطراد جراء تفاعل الاستثمارات المشتركة بين الدول الأعضاء نفسها، وكذلك بينها وبين العالم وستعكس هذه العلاقات نمواً في الحراك الاقتصادي الذي سيؤول في النهاية إلى أن يلامس بإيجابياته المواطن الخليجي فيضخ في المجتمعات الخليجية حيوية ترفع من مستويات المعيشة فيها ويمكنها من زيادة قوتها الشرائية أو الادخارية كما يمكنها من الاستثمار الخاص في هذا المجال أو ذاك.

لقد شبت تنمية دول مجلس التعاون عن الطوق منذ سنوات، وانتقلت من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والقطاعية والمكانية والإدارية والنظامية... إلخ إلى التنمية النوعية المستدامة مما خلق بيئة مواتية للتنمية إلى صناعة التنمية ذاتها وإدارتها واستثمارها عبر التحولات التي شهدتها هذه الدول في مختلف الصناعات المادية والخدمية ، لعل أبرزها الصناعات البتروكيماوية والغاز والمثابرة على تحقيق سبق وريادة تنافسية فيها، حيث هذا الأفق الزاخر بالصناعة والتنمية البشرية والإنتاج هو ما يهيئ للمجلس النقدي الخليجي والعملة الخليجية الموحدة أسباب النجاح والرسوخ في مجرى المنافسة الدولية لتحقيق القوة الاقتصادية والمنعة النقدية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية