التطوير المستمر .. مضمون جائزة الاقتصاديه لأفضل بيئة عمل

|
من اللافت في موضوع التمامية والاعتمادية في تقييم بيئة العمل بغض النظر عن مسمى الأفضل أو الأسوأ المتعاكسين والمتضادين بين القمة والقاع، هو نشوء حركة تطويرية وتنظيمية وتصحيحية مستمرة، في تثبيت وتطبيق معايير وأبعاد المسح التقييمي أو الثقافي الداخلي للتنظيمات العملية Organizational Cultural Survey، الذي تنتهجه المؤسسات المتخصصة في هذا المجال، وتطبقه وتستثمر نتائجه المنشآت الرائدة والمتطلعة للتطوير المستمر ولتنمية مواردها البشرية على أكمل وجه، وفقا للنظريات والأبحاث والتطبيقات التطويرية الإدارية العالمية. ونشير بفخر إلى اتجاه تخطي المدى التقييمي للمنشأة داخل محيطها وبين عمالها وإداراتها، إلى مدى تنافسي أوسع وأشمل مؤسساتي معياري بين المنشآت، من حيث التوجه الذي احتضنته واحتوته جائزة صحيفة «الاقتصادية» لأفضل بيئة عمل في السعودية، مضافا إلى اكتسابها الملاحظ لثقة الشارع الاقتصادي والعملي المحلي، كبداية مشجعة وتنافسية للمنشآت انطلقت قبل أربع سنوات، وستشمل هذا العام 2010 المنطقة الخليجية كما ورد في مرحلتها وقائمتها الثالثة. ومن خلال استقراء مستوى التوازن النسبي المتغير والمتضح في هذه المرحلة من الجائزة بين معياري التقييم والمسح، نقلا تحليليا عما ورد عن الدكتور مازن فارس رشيد رئيس لجنة التحكيم لقائمة أفضل بيئة عمل سعودية في مقاله «القائمة في عامها الثالث» المنشور في «الاقتصادية» في 20 شباط (فبراير) 2010 العدد 5976، الكامنين في الرضا الوظيفي بأبعاده المختلفة المتمثلة في الرضا عن الرواتب والأجور وعن التطور الوظيفي وعن ثقافة بيئة العمل في المنشأة، والآخر في ممارسات الموارد البشرية واستراتيجيتها التطويرية بأبعاده أيضا التي تُبنى عليهما الجائزة، دعونا نتطفل بعض الشيء بعد موجة من العصف الذهني، لإسقاط بُعْد جديد بين جنبات تلك الأبعاد في المعيارين، مرتبط بتفاوت أو وجود القوانين الحقوقية كالكفيل والمعوقين، والرقابية في ديوان المراقبة ومكافحة الفساد ومنع التدخين، والنقابات واللجان العمالية واستقلاليتها ومساحة حريتها، إضافة إلى المسؤولية الاجتماعية ومدى مساهمتها في دعم المجتمع وغيرها، كون الجائزة توسعت خليجيا لتكون مستعدة لاحقا ومهيأة عربيا وشرق أوسطيا، وأكثر إن كانت تسعى لذلك ومن ضمن تطلعاتها، وهذا البعد الإضافي المقترح قد يُكسِب المشاركين القوة أو الضعف في استحواذ نقاط عالية أو متدنية في المعيارين، جراء التوجيه الملزم لبعض القوانين الصارمة في تأثير الرضا والتحرك المرن التطويري للموارد البشرية، وقد يعطي هذا البعد المقترح أيضا من ناحية مخفية كامنة سبيلا نحو الجرأة لمطالبات تغيرية حقوقية عمالية ورقابية أفضل، يرتد وينعكس صداه النفعي إلى الداخل، ومع الوقت إلى المحيط العملي بأسره، كي ننتقل من نموذج التكريم والإعلام والشهرة، إلى نموذج العمل الفعلي التطويري والإبداعي الشامل. ومن ضمن أمثلة القوانين الموضوعة الغريبة والمستهجنة من قِبَل المتضررين في بعض الدول، والتي نستشهد بها هنا لتوسيع دائرة التفكير والنظر لضمها مع التقييم في المسوحات، ولها من التأثير على المعيارين المذكورين هبوطا بالرضا الوظيفي للعموم من جانب، وصعودا نسبيا لا يذكر، وقد يكون سلبيا من جانب آخر للموارد البشرية، وهو قانون المعوقين الأمريكي، الذي أحدث موجة من ردة الفعل والصخب والتذمر نقلا عن موقع أخبار ديترويت في تاريخ 14 آذار (مارس) 2010، من كسب الموظفة في مدينة أعمال ديترويت في ميتشيجن بأمريكا الملقبة بــ «سوزان ماك برايد» Susan McBride مبلغ 100 ألف دولار ربطا بهذا القانون، لشكواها من حساسيتها الجسدية والتنفسية المفرطة للعطور والروائح النفاذة من قبل زملائها في العمل، والذي يؤثر عليها صحيا وعمليا في انتظامها في العمل، وعدم أخذ أمرها بجد من قبل مرؤوسيها قبل رفع دعواها، مما أشعل فتيل الحظر على الموظفين بعد كسبها القضية بعدم التعطر بأي نوع ولا من مزيلات العرق وكولونيا الحلاقة وغيرها، والتهديد بالطرد والفصل ضمنيا ولصق الإعلانات التحذيرية خارج المباني الخاصة بالمؤسسة لمن يُخِل به. فالحكم القضائي المكتسب للموظفة سوزان ماك برايد لا يخلو من التعظيم في مدلوله ومقارنته وربطه بقانون المعوقين كما يراه المتهمون ومحاموهم في المؤسسة إبان المرافعات، وخروجه للعلن نظاميا وقانونيا سيجعل الأمر في غاية الحرج وعدم الارتياح والرضا النفسي، وسيترك الموظفين مستائين ومتضايقين ومشمئزين تفوح روائحهم وتخرج مع العرق، ومن لم يلتزم منهم بالحظر سيكون عرضة للخطر وسينطبق عليه المثل «يُعَطِّرُ جِلده فيتم جَلده»، ولن ينال أي منهم الرحمة ولا العطف، وذنبه لن يغتفر وإلى الفصل لا مفر. ومن أجل التوضيح لما نقدمه من تقييم للأوضاع العمالية المأساوية في طَرْق باب العِبَر، والاستفادة منها من قبيل التمثيل والتحليل المترابط لوضع وجَوْدَة بيئة العمل، فهو تبرير وتأكيد منا بأن الطَرْق ليس من ضرب الخيال ولا هو بألغاز، لكنه في مجمله تعبير عن لون من ألوان التوتر النفسي الداخلي، الذي تهيجه الظروف القاسية المحيطة بالإنسان، وفيه تصدح الأمثال المُعَبِّرة التي يتم استخلاصها من واقعنا المعاصر، بدلالات تغلب عليها الشدة والقسوة في صياغة نماذج حياتية وعملية، نتيجة لوصول التفاوت والتباعد عن مركز الإشعاع الأخلاقي والإنساني إلى الذروة وخارج المجرة، قد يستوعبها العقل والفكر وقد لا يهضمها وتأخذه عن مراده ومناه، من ناحية الاستسلام فقط لمتعة السرد والمرادفات الكلامية الجمالية، بعيدا عن البواطن والدلالات التي يراد لها أن تنغمس وتتغلغل في العقول، لتهذبها وتستنفر الخير الذي نام وتخدر فيها بعدما ساد الشر الذي استأسد وجثم عليها. إخصائي تطوير مستمر
إنشرها