السياسات الاقتصادية التي تبنى على الرؤية الضيقة والآنية واستغلال عطش الأسواق لأي سلعة بهدف جني الأرباح السريعة، ربما تثمر عن بعض المكاسب الوقتية، لكنها حتما لا تملك أيا من مقومات الصمود والديمومة, خاصة حينما يتصل الأمر بسلعة رئيسة لا غنى عنها لأحد. هذا منطق السوق الذي لا يمكن أن يقبل الاحتكار، وهناك كثير من التجارب الدولية التي راهنت على هذا الخيار, لكنها سرعان ما وجدت نفسها, وهي تغوص في أوحال الكساد والبضاعة المزجاة.
الملك عبد الله وبما يمتلكه من شمولية الرؤية وسعة الأفق والقدرة على استشراف البعيد, أدرك ببعد نظره أن النفط كسلعة استراتيجية دولية تشكل عصب حياة العالم بأسره، لا يجوز أن يبقى رهينة لهذا المنطق حفاظا على حقوق المنتجين والمستهلكين على حدّ سواء. لذلك وضع كل ثقله الدولي كزعيم أممي خلف منتدى الطاقة الدولي، الذي انطلق بادئ الأمر على استحياء منذ مؤتمر باريس عام 1991، وجمع المنتجين بالمستهلكين لأول مرة، لكنه ظل يراوح مكانه نسبة إلى رغبة كل طرف في الحصول على ما يريد على حساب الطرف الآخر، من هنا كان لا بد من أن تتدخل الحكمة لتفرض حضورها لإنقاذ هذه السلعة الاستراتيجية من توظيفها كمادة للصراع بين الدول، لتتحول إلى مادة لتبادل المنافع والاستقرار بين الشعوب كافة، وتحقيق مطامحها التنموية بأقصى ما يمكن أن يتأتى من العدل الذي لا يبخس المنتجين ولا يضير المستهلكين .. فوقف -يحفظه الله - بقوة لإعطاء هذا المنتدى صفة اعتبارية دولية تؤهله لأن يكون المرجعية الشرعية الدولية التي تشكل رمانة الميزان بين العرض والطلب، وتحمي استقرار الأسعار من التذبذب بين الطرفين .. حينما فاجأ العالم بقراره المفصلي في دورة المؤتمر التي استضافتها الرياض عام 2000، وأعلن - رعاه الله - اقتراح تأسيس أمانة عامة لما عرف بعد ذلك بمنتدى الطاقة الدولي, مبديا استعداد المملكة لاستضافته مع كل ما يتطلبه من تكاليف مادية، وهو ما تم إقراره بعدئذ وبالإجماع في أوساكا في اليابان عام 2002، حيث أصبحت الرياض مقر هذه الأمانة، وكانت الرؤية تتركز على أهمية وجود أرضية مشتركة بين المنتجين والمستهلكين وتدعم منظمة الطاقة الدولية ومنظمة أوبك، وتحافظ على حيوية الاقتصاد الدولي. وأثبت المنتدى فاعليته الكبيرة في هذا الاتجاه، وجنب الاقتصاد العالمي كثيرا من العثرات حينما فتح حوارا بناء بين الطرفين، وأبعد هذه السلعة المهمة عن مزالق المساومات والعواصف السياسية والاقتصادية لتبقى في خانتها الطبيعية كمحور تنمية للدول كافة، وحقق أفضل مستوى في أمن الطاقة بالتخطيط وتعزيز الاستثمار، وجاءت التجارب لتثبت بعد نظر خادم الحرمين الشريفين, حينما حلقت أسعار النفط بحكم بعض المتغيرات إلى ما فوق سقف 147 دولارا للبرميل عام 2008 ، ثم الانخفاض إلى ما دون 32 دولارا للبرميل, حيث انعكس هذا التذبذب على الاقتصاد العالمي، وبالأخص اقتصادات الدول الأقل نموا، ما عزز أهمية هذا المنتدى وضرورته ككيان دولي وضابط إيقاع لحماية اقتصاديات الطاقة من الانهيار، ما أكد أنه وفي ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي عصفت بالعالم أخيرا شكل أحد المتاريس التي وقفت في وجه مزيد من التدهور الاقتصادي، بفضل وجوده كقاعدة تفاهم بين المنتج والمستهلك، وهو ما وفر قناعة لدى الطرفين بأهميته لحفظ المصالح المتبادلة على قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
ولعل ما أشار إليه كلاوديو ماندل المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة على هامش منتدى كانكون المكسيكي الذي يجري حاليا، وإشادته بالدور الكبير والفاعل والوازن للمملكة في تفعيل دور المنتدى ورفع كفاءته، ووقوف خادم الحرمين الشريفين كزعيم دولي ينظر إلى أن الاستقرار العالمي لا يمكن أن ينبني على مصالح طرف على حساب الطرف الآخر، والدور الكبير للأمير عبد العزيز بن سلمان مساعد وزير البترول والثروة المعدنية لشؤون البترول, فبصفته رئيس اللجنة الإشرافية المكلفة بدراسة أوضاع منتدى الطاقة وإعداد ميثاقه, فقد عمل الأمير عبد العزيز من أجل وضع هذا المنتدى على خريطة المؤسسات الدولية الفاعلة .. ما يعزز سلامة موقف المملكة ودورها الريادي في صيانة الاستقرار الدولي .. لا كبلد منتج وحسب، إنما كقوة دولية لها مسؤوليتها الأخلاقية في حماية أمن الطاقة على المدى البعيد حفاظا على حقوق الأجيال.
