بعد النجاح الاقتصادي والتقني الذي حققته اليابان بعد خروجها مدمرة تماماً من الحرب العالمية الثانية، سعت كثير من الدول إلى استيعاب الدروس اليابانية والاستفادة منها، وخصوصاً في المجالات العشرة التالية:
أولاً: يمارس قطاع الأعمال الياباني نشاطه ضمن بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية مواتية من جراء الترابط الثلاثي الوثيق بين الحكومة والشركات والجامعات، مما حدا برئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد إلى تبني ''سياسة انظر إلى الشرق'' وإنشاء وزارة التجارة الدولية والصناعة MITI ـ وفق النموذج الياباني ـ لتتولى إعداد التشريعات المنظمة لعمل القطاعات الإنتاجية بالتنسيق مع اتحادات متخصصة ومستقلة تتوسط القطاعين العام والخاص.
ثانياً: على الرغم من المنافسة الشديدة بين الشركات اليابانية، إلا أنها تظل تنسق مواقفها تجاه السياسات العامة من خلال اتحادات قطاعية تعمل على رعاية المصالح المشتركة للأعضاء وبلورة توافق وطني حول قضايا القطاعات الإنتاجية والحيلولة دون وقوع أي منافسة غير مسؤولة.
ثالثاً: الشركات اليابانية لا تعمل منفردة، ولكن عبر تجمعات صناعية تُعرف باسم ''سانقيو كيرتسو'' مكونة من شركة صناعية رئيسة يحيط بها ثلاث طبقات أو أكثر من المصنعين من الباطن الحصريين، غالباً ما يجمعها ملكية أسهم متبادلة مثل تويوتا التي تملك 24.6 في المائة من أسهم شركة أتوماتيك لووم، فيما تستحوذ الأخيرة 4.6 في المائة من أسهم ''تويوتا''.
رابعاً: هناك نوع آخر من التكتل الاقتصادي ''كينيو كيرتسو'' قطبه بنك أو شركة تجارية كبرى مثل ميتسوبيشي أو ميتسوي أو سوموتومو، فعالم الأخيرة يشتمل على بنك سوموتومو وسوموتومو للكيماويات، وسوموتومو لبناء السفن، إضافة إلى مئات الشركات الإنتاجية والخدمية التي تدور جميعها في فلك سوموتومو.
خامساً: في بداية خمسينيات القرن الماضي، زار اليابان العالم الأمريكي إدواردز دمينق لتقديم مفهوم التحكم في الجودة Statistical Quality Control- SQC، حيث طوّرته الشركات اليابانية ـ بإضافة البُعد الإنساني ـ إلى حلقات جودة -QC Quality Circles مكوّنة من خمسة عاملين فأكثر يتطوعون للالتقاء الدوري لتبادل الأفكار حول وسائل تحسين النوعية والإنتاجية ومسارات العمل، لتنعكس الآية في نهاية السبعينيات ويزور وفد من شركة لوكهيد الأمريكية اليابان للتعرف على طرق عمل حلقات الجودة اليابانية.
وفي هذا السياق، شدّد الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان في أول خطاب له للأمة على الحاجة إلى إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي، مشيراً إلى تفوّق معدلات الإنتاج اليابانية بنسبة 50 في المائة في صناعة السيارات 25 في المائة في صناعة الحديد، مما حدا بمحطة NBC إلى بث سلسلة برامج وثائقية تحت عنوان If Japan Can Do It, Why Can’t We.
سادساً: تركّز الشركات اليابانية على مبدأين أساسيين هما التحسين المستمر للإنتاجية والأداء والاستثمار المكثّف في مواردها البشرية ببلد يخلو من الثروات الطبيعية عدا المياه، لذلك تولي اهتماماً بالغاً لعملية اختيار وتأهيل موظفيها الجدد والاحتفاظ بهم بموجب '' نظام التوظيف مدى الحياة العملية'' الذي أصبح تقليداً اقتصادياً واجتماعياً نظراً لعدم وجود سوق عمالة ماهرة في اليابان، إضافة إلى أن الشركات التي تفرّط بموظفيها مكروهة من قبل المجتمع الياباني.
سابعاً: حال اختيار الموظفين الجدد في نيسان (أبريل) من كل عام، تشرع الشركات اليابانية بإخضاعهم لبرامج تدريب على رأس العمل تحت إشراف من زملائهم الأكثر خبرة، وتدويرهم على جميع الأقسام حتى يلمّوا بمهام الإدارات وأهداف الشركة.
ثامناً: خلال تجربتي العملية في اليابان لفت انتباهي شدة الانتماء المتبادل بين الموظفين وشركاتهم لدرجة أن الموظف يعرّف نفسه مسبوقاً باسم شركته، كما أن المديرين يعتبرون أنفسهم كبار العائلة كونهم بدأوا موظفين صغارا وصعدوا معاً سلم الهيكل التنظيمي للشركة خطوة إثر خطوة.
تاسعاً: تخلو الهياكل التنظيمية للشركات اليابانية من أسماء الأشخاص مكتفية بمسميات الإدارات والأقسام، كما أنه نادراً ما يوجد وصف عمل يحدّد مهام كل موظف، فالجميع يعمل في فرق عمل متعددة ومتغيرة بمقتضى ثقافة عمل جماعي لا تفرق بين رئيس الشركة وأصغر موظف.
عاشراً: ثقافة العمل الجماعي هذه انعكست على مسار صناعة واتخاذ القرار في الشركات اليابانية الذي يبدأ بقيام الإدارة المختصة بصياغة الموضوع وأسبابه والنتائج المتوقعة للقرار المقترح في وثيقة تسمى ''رنقي شو'' وتوزيعها على جميع الإدارات لأخذ آرائهم كتابةً، ويصبح القرار نهائياً متى ما أقرته الإدارة العليا بعد مسار طويل يضمن دعما جماعيا للقرار وتنفيذا سريعا ومتقنا.
وقد بادرت دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا، وآسيوية مثل كوريا الجنوبية والصين بإرسال وفود إلى اليابان واستضافة مدربين يابانيين في محاولة لاستيعاب هذه الدروس.
ولنقل التجربة اليابانية إلى المملكة، يُنظّم مركز التعاون الياباني للشرق الأوسط JCCME من خلال فرعه في الرياض دورات تدريبية عن تجارب الشركات اليابانية.
وفي رأيي، قدّمت اليابان دروساً في الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والعمل المستمر على تحسين الأداء والإنتاجية وفي تكوين التكتلات الاقتصادية المُجدية، استفادت منها قطاعات الأعمال في دولٍ غربية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وأخرى شرقية مثل كوريا الجنوبية والصين وماليزيا، بعد أن طوعتها لتلائم بيئتها، في حين أن شركاتنا ما زالت مغرمة بالعيون الزرق... فهل حان الوقت للنظر شرقاً؟
