الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 29 مايو 2026 | 12 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

حماية الأطفال تحمي مجتمعنا

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الخميس 25 مارس 2010 4:26

هناك تطور هائل في جميع مجالات الحياة، وهذه التطورات فرضت جملة من التحديات غير المسبوقة أمام الشعوب والمجتمعات, ولعل أبرز هذه التطورات وأكثرها تأثيرا في طريقة حياتنا هو التطور في عالم الاتصالات وما استحدثه التطور العلمي من تقنيات جديدة ومتطورة في الاتصال والتواصل بين الأفراد والمجتمعات. لم تعد فكرة القرية العالمية الواحدة مجرد فكرة نظرية بل باتت أمرا واقعا نعيشه ونحس به ونتأثر به في كل تفاصيل حياتنا. وبسبب هذا التطور الهائل في مجالات الاتصالات تطور الإعلام وقفز قفزات جعلت من المستحيل على الشعوب والمجتمعات أن تفكر وأن تحاول الانغلاق على نفسها، لأن الإعلام الحديث وبفضل التقنية الحديثة في مجالات الاتصالات صار بإمكانه أن يتجاوز كل الأسوار والحدود والحصون التي يعتقد أي مجتمع أن بمقدوره أن يحتمي بها. وبالتالي أصبح الانغلاق ليس هو المطلوب بل المطلوب هو التفاعل والتمكين الثقافي والمعنوي وهو الذي بمقدوره أن يحمي هذه المجتمعات بل يجعلها ممن لها دور في صياغة القيم والأفكار التي تتفاعل مع بعضها في إطار هذا المناخ الثقافي المفتوح.

ولما كان الأطفال هم أكثر فئات المجتمع تأثرا بما يدور ويطرح في الإعلام المقروء والمسموع والشبكي, فإن دول العالم باتت منشغلة بكيفية ترشيد هذا التواصل الإعلامي لأطفالها. فالإعلام بات يتداخل مع تعليم هؤلاء الأطفال, فهناك جوانب سلبية لهذا الإعلام المنفتح على قدرة ومستوى تعليم هؤلاء الأطفال وهذا ما يجب الالتفات إليه. فالقراءة باتت في تراجع عند الأطفال لصالح معرفة الإنترنت والبرامج التلفزيونية, والساعات المخصصة للدرس والتعلم صارت تزاحمها وبقوة وتضغط عليها الألعاب الإلكترونية والبرامج الترفيهية التي أصبحت في متناول أيدي الأطفال بأشكال عدة ومن خلال طرق مختلفة ومتعددة. وفي المقابل هناك الكثير والكثير من الفرص الإيجابية التي يقدمها هذا التطور الكبير والمتسارع في تقنية الاتصالات لتعليم الأطفال, فهذه التقنية خرجت بالتعليم من المدرسة والفصول الدراسية إلى عالم مفتوح وممتد أمام الطفل ليواصل تعليمه بلا حدود زمنية أو مكانية. بل المعرفة صارت أكثر قبولا عند الأطفال بفضل ما تستطيع التقنية الحديثة أن تشكل هذه المعرفة في أشكال محببة لدى الأطفال.

أما في الإطار الثقافي، فإن الأطفال يتعرضون اليوم إلى ما هو أكثر من غزو ثقافي, فنحن نعيش عصر ما بعد الغزو الثقافي إلى مرحلة الاستعمار الثقافي, فالثقافة التي تروج للانحلال الثقافي والإباحة والتحلل القيمي والعنف والكراهية وجدت في وسائل الإعلام الحديثة ما يمكنها فعلا من الوصول إلى حياة أطفالنا والعبث بعوالمهم البريئة بلا عوائق تذكر. هل يستطيع الطفل وحده وبما عليه من ثقافة محدودة أن يواجه هذا السيل العارم من الإباحية والهدم الأخلاقي الذي يتسلل إليه في خلسة من عائلته ومجتمعه. وكيف للمجتمعات أن تأمل وترجو مستقبلاً آمناً إن لم تكن إلى جانب الأطفال لحمايتهم مما يطرح عليهم من منتجات إعلامية تزرع في نفوسهم الرغبة والدوافع لممارسة العنف والتعبير عن الكراهية في علاقاتهم وتفاعلهم مع الآخرين. فكل شيء يرتبط بالمستقبل الآن له علاقة بما يقدمه المجتمع من دعم وترشيد للأطفال.

أما نحن في المملكة ففي مجتمع يتسم بأن فئة الأطفال فيه هي من أكبر الشرائح السكانية وبالتالي يجب أن تهمنا كثيرا قضية الأطفال والإعلام. فأولا نحن لا توجد عندنا مؤسسات ثقافية وإعلامية تنتج للأطفال ما يتناسب وثقافتنا وقيمنا، وفي ظل هذا الفراغ الثقافي والإعلامي فإن أطفالنا عرضة لما ينتجه الآخرون من مواد ثقافية وإعلامية. فالجانبان الأخلاقي والثقافي هما أكثر ما يجب أن يقلقانا في مسألة الأطفال والإعلام لأن حماية أطفالنا أخلاقيا هي حماية لمجتمعنا في الحاضر والمستقبل. فالأطفال هم أعظم ثروة للمجتمع، والانحلال الأخلاقي هو تدمير وتبديد لطاقة عظيمة عند هؤلاء الأطفال. والأطفال عندما ينشأون بثقافة مبتذلة وقيم لا تعدهم للمستقبل ولبناء حياتهم والمساهمة في تطوير مجتمعاتهم فهذا مخاطرة بمستقبلنا جميعا.

ولعل أكثر ما نستطيع فعله كمجتمع لحماية هؤلاء الأطفال هو أن نطور من بيئتنا التعليمية, فالمدرسة اليوم ليست مطالبة فقط بتعليم الطفل بل هي قادرة اليوم على أن تجعل منها بيئة تسمح للطفل بالدخول إلى هذا العالم المفتوح ومساعدته على الوصول إلى ما ينفعه ويعود عليه بالفائدة علميا وثقافيا. فالمدرسة عندما لا يكون لها دور في تنمية مواهب الطفل وإيجاد بيئة تعزز من هواياته وليس لها دور في تطوير اهتماماته الثقافية فهي لا تؤدي المطلوب منها في التعليم الحديث, فكيف لهذا الطفل أن يتواصل وبشكل إيجابي مع كل ما يطرح عليه إعلاميا وهو بلا هوايات ولا اهتمامات؟ فعندما نجعل من مدارسنا فعلا بيئة تعليمية وتربوية وعندما تستطيع المدرسة أن تعدد من اهتمامات الطفل فإننا سننجح كمجتمع في حماية أطفالنا, لأن الطفل الذي ليس له اهتمامات هو الأكثر عرضة لما ينتج من سلبيات إعلامية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية